السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٤ - سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنه إلى أبنى
و كلم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أسامة في عمر رضي اللّه تعالى عنه أن يأذن له في التخلف ففعل، و لعل ذلك كان تطبيبا لخاطر أسامة، و من ثم كان عمر رضي اللّه تعالى عنه لا يلقى أسامة إلا قال السلام عليك أيها الأمير كما يأتي، فلما كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج أسامة رضي اللّه تعالى عنه: أي في ثلاثة آلاف فيهم ألف فرس، و ودعه سيدنا أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بعد أن سار إلى جنبه ساعة ماشيا، و أسامة راكب، و عبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول اللّه إما أن تركب و إما أن أنزل، فقال: و اللّه لست بنازل، و لست براكب ثم قال له الصديق، رضي اللّه تعالى عنه: أستودع اللّه دينك و أمانتك و خواتيم عملك.
و قد وقع نظير ذلك لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما بعث معاذا رضي اللّه تعالى عنه إلى اليمن شيعه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يمشي تحت راحلة معاذ و هو يوصيه.
ثم إن أسامة رضي اللّه تعالى عنه سار إلى أهل أبنى، فشنّ عليهم الغارة: أي فرق الناس عليهم، و كان شعارهم «يا منصور أمت» فقتل من قتل و أسر من أسر، و حرق منازلهم و حرق أرضها فأزال نخلها، و أجال الخيل في عرصاتها، و لم يقتل من المسلمين أحد. و كان أسامة رضي اللّه تعالى عنه على فرس أبيه و قتل قاتل أبيه رضي اللّه تعالى عنهما، و أسهم للفرس سهمين و للفارس سهما، و أخذ لنفسه مثل ذلك، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل، و أسرع السير، و بعث مبشرا إلى المدينة بسلامتهم.
و خرج أبو بكر في المهاجرين و الأنصار ممن لم يكن في تلك السرية يتلقون أسامة و من معه، و سروا بسلامتهم، و دخل أسامة رضي اللّه تعالى عنه و اللواء بين يديه حتى انتهى إلى باب المسجد ثم انصرف إلى بيته.
أي و كان في خروج هذا الجيش نعمة عظيمة، فإنه كان سببا لعدم ارتداد كثير من طوائف العرب أرادوا ذلك. و قالوا: لو لا قوة أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم) ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، فثبتوا على الإسلام.
أي و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه حتى بعد أن ولي الخلافة إذا رأى أسامة رضي اللّه تعالى عنه قال: السلام عليك أيها الأمير، فيقول أسامة: غفر اللّه لك يا أمير المؤمنين، تقول لي هذا؟ فيقول: لا أزال أدعوك ما عشت الأمير.
مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنت عليّ أمير. و في السيرة الشامية سرايا أخر تركنا ذكرها تبعا للأصل.
و في السنة الثامنة أمر (صلى اللّه عليه و سلم) عتاب بن أسيد رضي اللّه تعالى عنه أن يحج بالناس و هو بمكة.