السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٢ - سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنه إلى أبنى
قال: كثرة الكلام، و قيل كان عمر أسامة رضي اللّه تعالى عنه عشرين سنة.
و لما بلغ رسول اللّه مقالتهم و طعنهم في ولايته مع حداثة سنه غضب (صلى اللّه عليه و سلم) غضبا شديدا، و خرج و قد عصب على رأسه عصابة و عليه قطيفة، و صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، و لئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله و ايم اللّه إن كان لخليقا بالإمارة، و إن ابنه من بعده لخليق الإمارة، و إن كان لمن أحب الناس إليّ، و إنهما مظنة لكل خير، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم، و تقدم أنه رضي اللّه تعالى عنه كان يقال له الحب ابن الحب. و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يمسح خشمه و هو صغير بثوبه.
ثم نزل (صلى اللّه عليه و سلم) فدخل بيته و ذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، و جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يخرجون إلى العسكر بالجرف، و ثقل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فجعل يقول: أرسلوا بعث أسامة، أي و استثنى (صلى اللّه عليه و سلم) أبا بكر و أمره بالصلاة بالناس.
أي فلا منافاة بين القول بأن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه كان من جملة الجيش و بين القول بأنه تخلف عنه، لأنه كان من جملة الجيش أوّلا، و تخلف لما أمره (صلى اللّه عليه و سلم) بالصلاة بالناس.
و بهذا يرد قول الرافضة طعنا في أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه أنه تخلف عن جيش أسامة رضي اللّه تعالى عنه، لما علمت أن تخلفه عنه كان بأمر منه (صلى اللّه عليه و سلم) لأجل صلاته بالناس، و قول هذا الرافضي مع أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لعن المتخلف عن جيش أسامة مردود، لأنه لم يرد اللعن في حديث أصلا.
فلما كان يوم الأحد اشتد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وجعه، فدخل أسامة من عسكره و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مغمور، فطأطأ رأسه فقبله و هو (صلى اللّه عليه و سلم) لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة رضي اللّه تعالى عنه. قال أسامة: فعرفت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يدعو لي، و رجع أسامة رضي اللّه تعالى عنه إلى عسكره، ثم دخل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الاثنين.
فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): اغد على بركة اللّه تعالى، فودعه أسامة و خرج إلى معسكره و أمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها قد جاءه يقول: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يموت.
و في لفظ: فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول له: لا تعجل، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثقيل، فأقبل و أقبل معه عمر و أبو عبيدة بن الجراح رضي اللّه تعالى عنهم، فانتهوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يموت، فتوفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين زاغت الشمس.