السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢ - غزوة خيبر
اليوم، و لعل ذلك لا ينافي ما جاء «أن وفد ثقيف لما جاءوه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لهم لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني، و في رواية: مثل نفسي فليضربن أعناقكم و ليسبين ذراريكم، و ليأخذن أموالكم، قال عمر رضي اللّه عنه فو اللّه ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، و جعلت أنصب صدري له (صلى اللّه عليه و سلم) رجاء أن يقول هو هذا، فالتفت (صلى اللّه عليه و سلم) إلى علي (كرم اللّه وجهه) فأخذه بيده و قال: هو هذا، هو هذا».
و قد يقال: لا يلزم من محبة الشيء تمنيه بخلاف العكس. ففي هذه الغزاة أحب الإمارة و ما تمناها، و في وفد ثقيف المتأخر عن هذه الغزاة تمناها لأن الوصف في ذلك أبلغ من الوصف هنا فليتأمل.
و يروى «أن عليا (كرم اللّه وجهه) لما بلغه مقالته (صلى اللّه عليه و سلم): أي في خيبر، قال: اللهم لا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت، فبعث (صلى اللّه عليه و سلم) إلى علي (كرم اللّه وجهه) و كان أرمد شديد الرمد»: أي و كان قد تخلف في المدينة ثم لحق بالقوم «أي فقيل له: إنه يشتكي عينيه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) من يأتيني به؟ فذهب إليه سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه و أخذ بيده يقوده حتى أتي به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد عصب عينيه فعقد له (صلى اللّه عليه و سلم) اللواء: أي لواءه الأبيض.
فعن ابن إسحاق و ابن سعد: لم تكن الرايات إلا يوم خيبر، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) فرق الرايات يومئذ بين أبي بكر و عمر و الحباب بن المنذر و سعد بن عبادة رضي اللّه عنهم، و إنما كانت الألوية، و كانت راية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سوداء من برد لعائشة رضي اللّه عنها تدعى العقاب.
و في كلام المقريزي: لما ذكر رتب الرئاسة في الجاهلية ذكر أن العقاب كان في الجاهلية راية تكون لرئيس الحرب و جاء الإسلام و هي عند أبي سفيان، و جاء الإسلام و السدانة و اللواء عند عثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار.
و في سيرة الحافظ الدمياطي (رحمه اللّه): و كانت له (صلى اللّه عليه و سلم) راية سوداء مربعة من نمرة مخملة يقال لها العقاب، و كان له راية صفراء، و لواؤه أبيض دفعه إلى علي (كرم اللّه وجهه) و فيه أن ذلك اللواء يقال له العقاب.
و في سيرة الدمياطي (رحمه اللّه)، و كانت ألويته (صلى اللّه عليه و سلم) بيضاء و ربما جعل فيها الأسود و لعل السواد كان كتابة في ذلك العلم، و لعل هذا اللواء الذي فيه الأسود هو المعني بما جاء في بعض الروايات «كان له (صلى اللّه عليه و سلم) لواء أبيض مكتوب فيه: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» أي بالسواد، و لعله محمل قول بعضهم: كان له (صلى اللّه عليه و سلم) لواء أغبر، و ربما كان من خز بعض نسائه «فقال علي (كرم اللّه وجهه): يا رسول اللّه إني أرمد كما ترى، لا أبصر موضع قدمي، فتفل (صلى اللّه عليه و سلم)، و في لفظ: بصق في عينيه، أي بعد أن