السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٣ - غزوة خيبر
وضع رأسه في حجره» و في لفظ «فتفل في كفه و فتح له عينيه فدلكهما فبرأ حتى كأن لم يكن بهما وجع» قال علي رضي اللّه عنه فما رمدت بعد يومئذ: و في لفظ فما رمدت و لا صدعت، و في لفظ: فما اشتكيتهما حتى الساعة.
و في هذا السياق لطيفة و هي: أن من طلب شيئا أو تعرض لطلبه يحرمه غالبا و أن من لم يطلب شيئا لم يتعرض لطلبه ربما وصل إليه، و قد أشار إلى ذلك (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله «رحم اللّه أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، و لكن لأجل سؤاله إياه ذلك أخر عنه سنة» أي و بعد السنة دعاه الملك و توجه ورداه و قلده بسيفه و أمر له بسرير من ذهب مكلل بالدر و الياقوت، و ضرب له عليه حلة من استبرق و فوض إليه أمر مصر.
و قد قيل: لو وقعت قلنسوة من السماء لا تقع إلا على رأس من لا يريدها:
زاد في رواية عن علي (كرم اللّه وجهه) «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا له بقوله: اللهم اكفه الحر و البرد قال علي (كرم اللّه وجهه): فما وجدت بعد ذلك اليوم لا حرا و لا بردا»، أي فكان يلبس في الحر الشديد القباء المحشو الثخين، و يلبس في البرد الشديد الثوبين الخفيفين. و في لفظ: الثوب الخفيف فلا يبالي بالبرد.
و قد يخالف ذلك ما حكاه بعضهم، قال: دخل رجل على عليّ (كرم اللّه وجهه) و هو يرعد تحت سمل قطيفة: أي قطيفة خلقة، فقال: يا أمير المؤمنين إن اللّه جعل لك في هذا المال نصيبا و أنت تصنع بنفسك هكذا؟ فقال: و اللّه لا أرزؤكم من مالكم، و إنها لقطيفتي التي خرجت بها من المدينة.
و قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون رعدته رضي اللّه عنه ليست من البرد خلاف ما ظنه السائل لجواز أن تكون لحمّى أصابته في ذلك الوقت، و قد أشار إلى التفل صاحب الهمزية رضي اللّه تعالى عنه بقوله:
و عليّ لما تفلت بعيني* * * ه و كلتاهما معا رمداء
فغدا ناظرا بعيني عقاب* * * في غزاة لها العقاب لواء
و في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): لأدفعن الراية، إطلاق الراية على اللواء، و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لعليّ (كرم اللّه وجهه): خذ هذه الراية، و تقدم أن الراية قد يطلق عليها لواء.
هذا، و في كلام بعضهم أن أبا سفيان رضي اللّه عنه كانت إليه الراية المعروفة بالعقاب التي كانت لا يحبسها إلا رئيس إذا حميت الحرب، هذا كلامه، فلعل تسمية رايته (صلى اللّه عليه و سلم) بالعقاب لكونها كذلك «فقال عليّ (كرم اللّه وجهه): علام أقاتلهم يا رسول اللّه؟ قال: أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و أني رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا دماءهم و أموالهم».