السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٧٧ - باب يذكر فيه صفته
تركه الناس اتقاء شره.
قال ابن بطال (رحمه اللّه): إن هذا الرجل هو عيينة بن حصن، لأنه كان يقال له الأحمق المطاع، و هو (صلى اللّه عليه و سلم) إنما تطلق في وجهه تألفا له ليسلم قومه، لأنه كان المطاع فيهم. و أما ذمه (صلى اللّه عليه و سلم) له فلأنه يعلم ما يقع منه بعد، فإنه ارتد في زمن الصديق رضي اللّه عنه و حارب ثم رجع و أسلم.
أي و قد قيل إن سبب نزول قوله تعالى: وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف: الآية ٢٨] الآية أن عيينة هذا قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد قال له أسلم قال: على أن تبني لي مقصورة في مسجدك هذا أكون أنا و قومي فيها و تكون أنت معي.
و من تأمل سيرته (صلى اللّه عليه و سلم) مع أهله و أصحابه و غيرهم من الفقراء و الأيتام و الأرامل و الضعفاء و المساكين علم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بلغ الغاية في التواضع ورقة القلب و لين الجانب.
و عن أنس رضي اللّه عنه: أرسلني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حاجة يوما. فقلت: و اللّه لا أذهب و في نفسي أني أذهب، فخرجت على صبيان يلعبون في السوق، و إذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد قبض ثيابي من ورائي، فنظرت إليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يضحك فقال: يا أنيس اذهب حيث أمرتك. فقلت نعم أنا أذهب يا رسول اللّه اه.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) أحسن الناس خلقا، و أرجح الناس حلما، و أعظم الناس عفوا، و أسخى الناس كفا.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) أجود بالخير من الريح المرسلة، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) يوما لأصحابه و قد اضطروه إلى شجرة فخطفت رداؤه الشريف فوقف، ثم قال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم.
و في رواية: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني كذوبا، و لا بخيلا، و لا جبانا» كما تقدم.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) أشجع الناس قلبا، و أشد الناس بأسا و أشد الناس حياء. و كان أشد حياء من البنت البكر في خدرها أي بيتها و سترها، و كان إذا فرح، غض طرفه، و إذا أخذه العطاس وضع يده أو ثوبه على فيه و خفض صوته، و ربما غطى وجهه بيده أو ثوبه.
و كان يحب الفأل الحسن، و يغير الاسم القبيح بالحسن كما تقدم، و ربما غير الحسن بالقبيح كما تقدم. و كان يقول لأصحابه: إذا أرسلتم لي رسولا فليكن حسن الاسم، حسن الوجه.
من ذلك أن شخصا كان سادنا: أي خادما الصنم، و كان يسمى غاوي بن ظالم. فبينما هو عند صنمه إذ أقبل ثعلبان إلى الصنم و رفع كل واحد منهما رجله