السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٦ - باب ذكر أولاده
منكر جدا، أي و قد صح عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «الطفل يصلى عليه» و جاء: «صلوا على أطفالكم فإنه من أفراطكم» و قد جاء: في المرفوع: «إذا استهل المولود صلى عليه و ورّث و ورث» و جاء: «أحق ما صليتم على أطفالكم» و من المقرر أنه إذا تعارض الإثبات و النفي قدم الإثبات على النفي.
و لما كسفت الشمس في ذلك اليوم قال قائل: كسفت لموت إبراهيم. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تكسف لموت أحد و لا لحياته». و في لفظ: «إن الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه يخوف اللّه بهما عباده، فلا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته» الحديث. و دفن بالبقيع و قال: «الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه» و لقنه (صلى اللّه عليه و سلم). قال الإمام السبكي: و هو غريب. و قد احتج به بعض أئمتنا على استحباب تلقين الطفل.
و في التتمة للمتولي من أئمتنا: و الأصل في التلقين ما روي: «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما دفن إبراهيم قال: قل اللّه ربي، و رسول اللّه أبي، و الإسلام ديني. فقيل له: يا رسول اللّه أنت تلقنه فمن يلقننا؟ فأنزل اللّه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: الآية ٢٧] أي و في رواية: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما دفن ولده إبراهيم وقف على قبره، فقال: يا بني إن القلب يحزن، و العين تدمع، و لا نقول ما يسخط الرب، إنا للّه و إنا إليه راجعون، يا بني قل اللّه ربي، و الإسلام ديني، و رسول اللّه أبي، فبكت الصحابة (رضوان اللّه عليهم). و منهم عمر رضي اللّه عنه بكى حتى ارتفع صوته، فالتفت إليه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: يا رسول اللّه هذا ولدك و ما بلغ الحلم و لا جرى عليه القلم و يحتاج إلى تلقين مثلك يلقنه التوحيد في مثل هذا الوقت، فما حال عمر و قد بلغ الحلم، و جرى عليه القلم، و ليس له ملقن مثلك؟ فبكى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و بكت الصحابة معه، و نزل جبريل (عليه السلام) بقوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: الآية ٢٧] يريد بذلك وقت الموت:
أي عند وجود الفتانين و عند السؤال في القبر، فتلا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الآية، فطابت الأنفس و سكنت القلوب، و شكروا اللّه».
و فيه أن هذا يقتضي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يلقن أحدا قبل ولده إبراهيم، و هذا الحديث استند إليه من يقول بأن الأطفال يسألون في القبر فيسن تلقينهم.
و ذهب جمع إلى أنهم لا يسألون، و أن السؤال خاص بالمكلف، و به أفتى الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه)، فقال: و الذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون مكلفا، و يوافقه قول النووي (رحمه اللّه) في الروضة و شرح المهذب: التلقين إنما هو في حق الميت المكلف أما الصبي و نحوه فلا يلقن. قال الزركشي: و هو مبني على أن غير المكلف لا يسأل في قبره.