السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٨ - باب نبذة من خصائصه
كنت أظن هذا كائنا، حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي و دخلت على حفصة و هي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قالت: لا أدري هو هذا معتزلا في هذه المشربة، أي لأن نساءه (صلى اللّه عليه و سلم) لما اجتمعن عليه في طلب النفقة أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهنّ، قال عمر رضي اللّه تعالى عنه: لأقولنّ من الكلام شيئا أضحك به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأتيت غلاما له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المسجد فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج إليّ، فقال:
قد ذكرتك له فصمت، فلما كان في المرة الرابعة و قال لي مثل ذلك و ليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل، قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فإذا هو متّكئ على زمل حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول اللّه نساءك؟
قال: فرفع رأسه إليّ و قال لا فقلت: اللّه أكبر، ثم قلت: كنا معاشر قريش بمكة نغلب على النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساءهم، فطفق نساؤنا يتعلمن منهن، فكلمت فلانة يعني زوجته فراجعتني فأنكرت عليها، فقالت تنكر عليّ أن أراجعك؟ فو اللّه إن أزواج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لتراجعنه، و تهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك و خسر، أ فتأمن إحداهنّ أن يغضب اللّه عليها بغضب زوجها، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فذهبت إلى حفصة فقلت: أ تراجعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟
فقالت: نعم، و تهجره إحدانا اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن و خسر، أ تأمن إحداكن أن يغضب اللّه عليها بغضب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ لا تراجعي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا تسألينه شيئا، و سليني ما بدا لك، و لا يغرنك إن كانت جارتك أحب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منك؟ يعني عائشة، فتبسم أخرى، فقلت، استأنس يا رسول اللّه قال نعم، فجلست و قلت: يا رسول اللّه قد أثر في جنبك زمل هذا الحصير و فارس و الروم قد وسع عليهم و هم لا يعبدون اللّه، فاستوى جالسا و قال: أ في شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: أستغفر اللّه يا رسول اللّه فلما مضى تسع و عشرون يوما أنزل اللّه تعالى عليه أن يخبر نساءه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: الآية ٢٨] الآية، فنزل و دخل على عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فقالت له: يا رسول اللّه أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا و قد دخلت و قد مضى تسع و عشرون يوما أعددهن، قال: إن الشهر تسع و عشرون، و في رواية: يكون هكذا و هكذا و هكذا، يشير بأصابع يديه، و في الثالثة حبس إبهامه ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك. فقالت: و ما هو يا رسول اللّه، فقرأ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: الآية ٢٨] الآية. قلت، أ في هذا أستأمر أبوي، فإني أريد اللّه، و رسوله و الدار الآخرة. و في رواية «أ فيك يا رسول اللّه أستشير أبوي؟» بل أريد اللّه و رسوله و الدار الآخرة، قالت: ثم قلت له: لا تخبر امرأة من