السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩ - غزوة الحديبية
و فيه أن طلب رد المهور للأزواج كان واجبا في مدة العهد خاصة كما علمت، و أنزل اللّه تعالى وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: الآية ١٠] أي نهى المؤمنين عن البقاء على نكاح المشركات فطلق الصحابة رضي اللّه عنهم كل امرأة كافرة في نكاحهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان له امرأتان فطلقهما يومئذ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان و الأخرى صفوان بن أمية، فكان (صلى اللّه عليه و سلم) في مدة العهد يرد الرجال و لا يرد النساء، أي بعد امتحانهنّ. فقد جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بالمدينة أبو بصير رضي اللّه عنه، و كان ممن حبس بمكة، و كتب في رده أزهر بن عوف رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك و هو من الطلقاء، و هو عم عبد الرحمن بن عوف و الأخنس بن شريق رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك كتابا، و بعث به رجلا من بني عامر يقال له خنيس و معه مولى يهديه الطريق، فقدما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالكتاب، فقرأه أبيّ رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما علمت و لا يصلح لنا في ديننا الغدر، و إن اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، فانطلق إلى قومك، قال: يا رسول اللّه أ تردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني، قال (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا بصير انطلق فإن اللّه سيجعل لك و لمن حولك من المستضعفين فرجا و مخرجا، فانطلق معهما، أي و صار المسلمون رضي اللّه عنهم يقولون له: الرجل يكون خيرا من ألف رجل يغرونه بالذين معه حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس رضي اللّه عنه إلى جدار و معه صاحباه، فقال أبو بصير رضي اللّه عنه لأحد صاحبيه و معه سيفه: أ صارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم انظر إليه إن شئت، فاستله أبو بصير رضي اللّه عنه، ثم علاه به حتى قتله.
و في لفظ: إن الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس و الخزرج يوما إلى الليل؛ فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم فقال: ناولنيه أنظر إليه فناوله؛ فلما قبض عليه ضربه به حتى برد؛ و قيل تناوله بفيه و صاحبه نائم فقطع إساره أي كتافه؛ ثم ضربه به حتى برد؛ فطلب المولى فخرج المولى سريعا حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد، فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الحصى يطنّ تحت قدميه. و في لفظ: و الحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه، أي و أبو بصير في أثره حتى أزعجه؛ قال (صلى اللّه عليه و سلم): إن هذا الرجل قد رأى فزعا؛ و في لفظ قد رأى هذا ذعرا؛ فلما انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد، قال له: ويحك ما لك؟ قال قتل صاحبكم صاحبي و أفلت منه و لم أكد و إني لمقتول و استغاث برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأمنه؛ فإذا أبو بصير رضي اللّه عنه أناخ بعير العامري بباب المسجد؛ و دخل متوشحا السيف، و وثب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه وفت ذمتك و أدى اللّه عنك، أسلمتني بيد القوم و قد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو