السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٤ - حجة الوداع
ثم ركب (صلى اللّه عليه و سلم) راحلته إلى أن أتى الموقف، فاستقبل القبلة، و لم يزل واقفا للدعاء من الزوال إلى الغروب. و في الحديث: «أفضل الدعاء يوم عرفة، و أفضل ما قلت أنا و النبيون من قبلي، أي في يوم عرفة» كما في بعض الروايات: «لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير».
و جاء أن من جملة دعائه في ذلك اليوم: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، و من وسوسة الشيطان، و من وسوسة الصدر، و من شتات الأمر، و من شر كل ذي شر».
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: «كان فيما دعا به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حجة الوداع: اللهم إنك تسمع كلامي، و ترى مكاني و تعلم سري و علانيتي، و لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، و ابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، و أدعوك دعاء الخائف الضريع، من خضعت لك رقبته، و فاضت لك عبرته، و ذل لك جسده، و رغم لك أنفه. اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيا، و كن بي رءوفا رحيما، يا خير المسئولين، و يا خير المعطين» و استمر كذلك (صلى اللّه عليه و سلم) حتى غربت الشمس و ذهبت الصفرة.
أي و خطب (صلى اللّه عليه و سلم) على ناقته في ذلك اليوم. فعن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة رضي اللّه تعالى عنهم قال: «بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حاجة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) واقف بعرفة فبلغته ثم وقفت تحت ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و إن لعابها ليقع على رأسي، فسمعته يقول: أيها الناس إن اللّه قد أدى إلى كل ذي حق حقه. و إنه لا تجوز وصية لوارث و الولد للفراش، و للعاهر الحجر. و من ادعى إلى غير أبيه أو مولى غير مواليه فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه له صرفا و لا عدلا، و جاءه (صلى اللّه عليه و سلم) جماعة من نجد فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديا ينادي:
الحج عرفة. من جاء ليلة جمع، أي المزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» و جمع بفتح الجيم و سكون الميم أيام منى ثلاثة فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: الآية ٢٠٣]، أي و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «وقفت هاهنا و عرفة كلها موقف» زاد مالك في الموطأ «و ارفعوا عن بطن عرنة».
و في كلام بعضهم نزلت: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:
الآية ٣] يوم الجمعة بعد العصر و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة يندق من ثقل الوحي.
قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: اتفق في ذلك اليوم أربعة أعياد: عيد للمسلمين و هو يوم الجمعة. و عيد لليهود. و عيد للنصارى. و عيد للمجوس، و لم