السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٩ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و قد استهدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منه ناقة تكون جيدة للركوب و الحلب، من غير أن تكون لها ولد معها، فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له، فجاء بها إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فحلبها فشرب منها ثم سقاه، ثم قال: اللهم بارك فيها و فيمن منحها، فقال: يا رسول اللّه و فيمن جاء بها، فقال: و فيمن جاء بها. و منهم حضرمي بن عامر و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس في المسجد مع أصحابه، فسلموا عليه، و قال شخص منهم: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أنك عبده و رسوله، و جئناك يا رسول اللّه و لم تبعث إلينا بعثا، و نحن لمن وراءنا.
أي و في لفظ إن حضرمي بن عامر قال: أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء: أي ذات قحط و لم تبعث إلينا. و في رواية: يا رسول اللّه أسلمنا و لم نقاتلك كما قاتلك العرب، فأنزل اللّه تعالى على رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) [الحجرات: الآية ١٧].
و سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) عما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من العيافة و هي زجر الطير، و التخرص على الغيب، و الكهانة، و هي الأخبار عن الكائنات في المستقبل، و ضرب الحصباء، فنهاهم (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك، فقالوا: يا رسول اللّه خصلة بقيت، فقال: و ما هي؟
قالوا الخط: أي خط الرمل و معرفة ما يدل عليه، قال (صلى اللّه عليه و سلم): علمه نبي، فمن صادف مثل علمه علم. أي و في رواية لمسلم: فمن وافق خطه، أي علم موافق خطه فذاك:
أي يباح له و إلا فلا يباح له إلا بتبيين الموافقة.
أي و في شرح مسلم أن محصل مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه، أي لأنه لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، و كأنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لو علمتم موافقته، لكن لا علم لكم بها، و أقاموا أياما يتعلمون الفرائض، ثم جاءوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فودعوه و أمر لهم بجوائز ثم انصرفوا إلى أهليهم.
و منها وفد بني عذرة: قبيلة باليمن، وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اثنا عشر رجلا من بني عذرة، أي و سلموا بسلام الجاهلية فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من القوم؟ فقال قائلهم: من بني عذرة: أي أخو قصي لأمه: نحن الذين عضدوا قصيا، و أزاحوا من بطن مكة خزاعة و بني بكر، فلنا قرابات و أرحام، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): مرحبا بكم و أهلا: أي لقيتم رحبا و أتيتم أهلا، فاستأنسوا و لا تستوحشوا، ما أعرفني بكم، قال:
ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) لهم: فما يمنعكم من تحية الإسلام؟ قالوا: يا محمد كنا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لأنفسنا و لقومنا، و قالوا إلام تدعو؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
أدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، و أن تشهدوا أني رسول اللّه إلى الناس كافة، فقال متكلمهم: فما وراء ذلك؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): الصلوات الخمس تحسن