السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٩ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و ترك أمري و رأيي، و توعد عمرا، فقال عمرو في قيس أبياتا منها:
فمن ذا عاذري من ذي سفاه* * * يريد بنفسه شدّ المزار
أريد حياته و يريد قتلي* * * عذيرك من خليلك من مرادي
أي و بعد موته (صلى اللّه عليه و سلم) ارتد عمرو هذا مع الأسود العبسي، ثم أسلم و حسن إسلامه، و شهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق و أيام عمر رضي اللّه تعالى عنهما.
و عن ابن إسحاق: قيل إن عمرو بن معد يكرب لم يأت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و أسلم قيس بعد ذلك، قيل له صحبة، و قيل لا.
و منها وفد كندة، أي و له (صلى اللّه عليه و سلم) جدّة منهم، و هي أمّ جدّه كلاب. وفد عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ثمانون، أي و قيل ستون من كندة فيهم الأشعث بن قيس، و كان وجيها مطاعا في قومه، و في الإمتاع و هو أصغرهم. فلما أرادوا الدخول عليه (صلى اللّه عليه و سلم) رجلوا: أي سرحوا جممهم. أي شعور رءوسهم، أي الساقطة على مناكبهم، و تكحلوا، و لبسوا عليهم جبب الحبرة أي بوزن عنبة: برود اليمن المخططة، قد كففوها: أي سجفوها بالحرير. فلما دخلوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي و عند ذلك قالوا: أبيت اللعن، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لست ملكا أنا محمد بن عبد اللّه. قالوا: لا نسميك باسمك، قال:
أنا أبو القاسم. فقالوا: يا أبا القاسم إنا خبأنا لك خبئا فما هو؟ و كانوا خبئوا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عين جرادة في ظرف سمن، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): سبحان اللّه، إنما يفعل ذلك بالكاهن، و إن الكاهن و الكهانة و المتكهن في النار، فقالوا: كيف نعلم أنك رسول اللّه؟ فأخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كفا من حصباء فقال: هذا يشهد أني رسول اللّه، فسبح الحصى في يده، فقالوا: نشهد أنك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن اللّه بعثني بالحق و أنزل عليّ كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، فقالوا:
أسمعنا منه، فتلا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا (١) [الصافات: الآية ١] حتى بلغ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ [المعارج: الآية ٤٠] ثم سكت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سكن بحيث لا يتحرك منه شيء و دموعه تجري على لحيته، فقالوا: إنا نراك تبكي، أ فمن مخافة من أرسلك تبكي؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): إن خشيتي منه أبكتني، بعثني على صراط مستقيم في مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت، ثم تلا (صلى اللّه عليه و سلم): وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: الآية ٨٦] الآية، ثم قال لهم (صلى اللّه عليه و سلم): أ لم تسلموا؟ قالوا بلى، قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم. فعند ذلك شقوه منها و ألقوه.
و فيه أن هذا يخالف ما قاله فقهاؤنا معاشر الشافعية من جواز التسجيف بالحرير، إلا أن يقال الجواز مخصوص، بأن لا يجاوز الحد اللائق بالشخص، و لعل سجفهم جاوزت الحد اللائق بهم و قد قال الأشعث له (صلى اللّه عليه و سلم): نحن بنو آكل المرار