السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٤ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
تمركم البرني، يذهب بالداء و لا داء معه» أي و إنما اقتصر (صلى اللّه عليه و سلم) في المناهي على شرب الأنبذة في الأوعية المذكورة مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم لكثرة تعاطيهم لها.
قال الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه): و معنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها أنه يسرع فيها الإسكار، فربما يشرب منها من لا يشعر بذلك.
و كان في عبد القيس أبو الوازع بن عامر و ابن أخته مطر بن هلال، و لما ذكروا للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه ابن أختهم قال: «ابن أخت القوم منهم» و كان فيهم ابن أخي الوازع و كان شيخا كبيرا مجنونا جاء به الوازع معه ليدعو له (صلى اللّه عليه و سلم)، فمسح ظهره و دعا له، فبرأ لحينه و كسي شبابا و جمالا حتى كأن وجهه وجه العذراء.
و جاء: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) زودهم الأراك يستاكون به و ذكر أنه كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خلف ظهره، و قال: إنما كان خطيئة داود عليه الصلاة و السلام النظر».
و منها وفد بني حنيفة و معهم مسيلمة الكذاب، قيل جاء بنو حنيفة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معهم مسيلمة الكذاب، يسترونه بالثياب، و كان رسول اللّه جالسا في أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم معه عسيب من عسب النخل في رأسه خويصات، فلما انتهى مسيلمة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هم يسترونه بالثياب، كلمه و سأله أن يشركه معه في النبوة، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه.
و قيل إن بني حنيفة جعلوه في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول اللّه إنا قد خلفنا صاحبنا في رحالنا يحفظها لنا فأمر له (صلى اللّه عليه و سلم) بمثل ما أمر به لواحد من القوم، و هو خمس أواق من فضة، و قال: أما إنه ليس بشركم مكانا، فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك لأنه عرف أن لي الأمر من بعده، فلما رجعوا و انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو اللّه و تنبأ و كذب، و ادعى أنه أشرك معه (صلى اللّه عليه و سلم) في النبوة و قال لمن وفد معه: أ لم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشركم مكانا ما ذاك إلا لما كان يعلم أني أشركت معه في الأمر. أي و هو (صلى اللّه عليه و سلم) إنما أراد بذلك أنه حفظ ضيعة أصحابه.
هذا و في الصحيحين: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أقبل و معه ثابت بن قيس بن شماس رضي اللّه تعالى عنه و في يد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) بلغه عنه أنه قال: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته «و إني لأراك الذي منه رأيت» و هذا قيس يجيبك عني ثم انصرف».