السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١ - غزوة الحديبية
و في رواية: فلما أكثر عليه غضب عروة و قال: ويحك ما أفظك و ما أغلظك، ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أصحابك، و اللّه إني لا أحسب فيكم ألأم منه و لا شرّ منزلة، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، أي لأن عروة كان عم والد المغيرة، فالمغيرة يقول له يا عم، لأن كل قريب من جهة الأب يقال له عم، و ليس في الصحيح لفظ ابن أخيك فقال: أي غدر: أي يا غادر، و هل غسلت غدرتك. و في لفظ سوأتك و في لفظ: أ لست أسعى في غدرتك إلا بالأمس، و في لفظ: يا غدر، و اللّه ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ إلا بالأمس، و قد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر.
قيل أراد عروة بذلك أنه الذي ستر غدر المغيرة بالأمس، لأن المغيرة رضي اللّه عنه قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف، وفد هو و إياهم مصر على المقوقس بهدايا قال و كنا سدنة اللات: أي خدامها، و استشرت عمي عروة في مرافقتهم فأشار عليّ بعدم ذلك، قال: فلم أطع رأيه، فأنزلنا المقوقس في كنيسة للضيافة ثم أدخلنا عليه، فقدموا الهدية له، فاستخبر كبير القوم عني، فقال ليس منا، بل من الأحلاف فكنت أهون القوم عليه، فأكرمهم و قصر في حقي، فلما خرجوا لم يعرض عليّ أحد منهم مواساة فكرهت أن يخبروا أهلنا بإكرامهم و ازدراء الملك بي، فأجمعت قتلهم، و نزلنا محلا فعصبت رأسي، فعرضوا عليّ الخمر فقلت رأسي تصدع، و لكن أسقيكم فسقيتهم و أكثرت لهم بغير مزج حتى همدوا، فوثبت عليهم فقتلتهم جميعا، و أخذت كل ما معهم، و قدمت على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في مسجده، فسلمت عليه و قلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): الحمد للّه الذي هداك للإسلام يا مغيرة، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: من مصر قدمت؟ قلت نعم، قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ لأنهم من بني مالك، فقلت: كان بيني و بينهم ما يكون بين العرب و قتلتهم، و جئت بأسلابهم ليخمسها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أو يرى فيها رأيه، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أما إسلامك فقبلته و لا آخذ من أموالهم شيئا و لا أخمسه، فإنه غدر و الغدر لا خير فيه، فقلت: يا رسول اللّه إنما قتلتهم و أنا على دين قومي ثم أسلمت، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) «الإسلام يجبّ ما قبله».
قال: و بلغ ذلك ثقيفا، فتداعوا للقتال و اصطلحوا على أن يحمل عمي عروة ثلاث عشرة دية.
و في رواية لما وردوا على المقوقس أعطى كل واحد منهم جائزة و لم يعط المغيرة شيئا فحقد عليهم، فلما رجعوا نزلوا منزلا و شربوا خمرا، و لما سكروا و ناموا وثب عليهم المغيرة فقتلهم و أخذ أموالهم و جاء و أسلم، فاختصم بنو مالك مع رهط المغيرة، و شرعوا في المحاربة، فسعى عروة في إطفاء نار الحرب و صالح بني مالك