السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٠ - غزوة الحديبية
بعد ذلك، و هذا هو الذي شبهه (صلى اللّه عليه و سلم) بعيسى ابن مريم (عليه السلام)، و لما قتله قومه قال (صلى اللّه عليه و سلم) «مثله في قومه كصاحب يس» كما سيأتي ذلك، فقال: يا معشر قريش إني رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف و سوء اللفظ، و قد عرفتم أنكم والد و أني ولد، فقالوا صدقت. و هذا يدل على أن ذهاب عروة بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه إنما كان بعد تكرر الرسل من قريش إليه (صلى اللّه عليه و سلم).
و به يعلم ما في المواهب أن عروة لما سمع قريشا توبخ بديلا و من معه من خزاعة، قال: أي قوم، أ لستم بالوالد إلى آخره. و في لفظ: أ لستم كالوالد، أي كل واحد منكم كالوالد لي و أنا كالولد له، و قيل أنتم حي قد ولدني، لأن أمه سبيعة بنت عبد شمس، قالوا بلى قال: أو لست بالولد؟ قالوا بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا:
ما أنت عندنا بمتهم، فخرج حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد جمعت أوباش: أي أخلاط الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك، أي أصلك و عشيرتك لتفضها بهم، إنها قريش، قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمر يعاهدون اللّه أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، و أيم اللّه لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك؛ أي انهزموا غدا. و في لفظ و اللّه لا أرى وجوها أي عظماء، و إني أرى أسرابا من الناس، خليقا أي حقيقا أن يفروا و يدعوك، و أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه جالس خلف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له: اعضض بظر اللات. و البظر. قطعة تبقى في فرج المرأة بعد الختان، و قيل التي تقطعها الخاتنة، أ نحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال (صلى اللّه عليه و سلم): هذا ابن أبي قحافة، فقال: أما و اللّه لو لا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، أي على هذه الكلمة التي خاطبتني بها و لكن هذه بها. و في رواية: و اللّه لو لا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك بها، و تلك اليد التي كانت لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه عند عروة، هي أن عروة استعان في حمل دية فأعانه الرجل بالواحد من الإبل و الرجل بالاثنين. و أعانه أبو بكر رضي اللّه عنه بعشرة إبل شواب، ثم جعل عروة يتناول لحية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يكلمه، أي و هذه عادة العرب أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة، و في الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كأنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما لم يمنعه من ذلك استمالة و تأليفا له، و المغيرة بضم الميم و كسرها ابن شعبة واقف على رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الحديد و عليه المغفر، فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي بنعل السيف: و هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها، و يقول: اكفف يدك عن وجه، و في رواية: عن مس لحية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن لا تصل إليك فإنه لا ينبغي لمشرك ذلك؛ و إنما فعل ذلك المغيرة رضي اللّه عنه إجلالا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم ينظر لما هو عادة العرب، فيقول للمغيرة: ويحك ما أفظك و ما أغلظك، أي و ما أشدّ قولك.