السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧٤ - غزوة الطائف
قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه أ لا أضرب عنقه؟ قال لا لعله أن يكون يصلي، قال خالد رضي اللّه عنه: و كم مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس و لا أشق بطونهم».
و في مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: «بعث علي (كرم اللّه وجهه) و هو باليمن بذهبة في تربتها، أي لم تخلص من ترابها إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقسمها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، و عيينة بن بدر، و علقمة بن علاثة و زيد الخير، فغضبت قريش فقالوا: يعطي صناديد نجد و يدعنا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم، فجاء رجل فقال: اتق اللّه يا محمد، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): فمن يطع اللّه إن عصيته! يأمنني على أهل الأرض و لا تأمنوني؟» و في رواية: «أ لا تأمنوني و أنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا و مساء، فجاء رجل فقال ما تقدّم، فقال له: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي اللّه؟».
و لعل هذه القسمة غير قسمة غنائم حنين، و أن الرجل الذي قال له ما ذكر يحتمل أن يكون واحدا منهما أو من شيعة ذلك الرجل الذي قال في أحدهما.
و ذكر بعضهم أن ذا الخويصرة أصل الخوارج، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية» و في رواية: «قال عمر رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه دعني فأقتل هذا المنافق، فقال:
معاذ اللّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا و أصحابه» أي جماعة يخرجون من صلبه فهو أصل الخوارج: «يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم» و في لفظ:
«تراقيهم، لا تفقهه قلوبهم، ليس لهم حظ منه إلا تلاوة الفم، و إنهم يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد و ثمود» أي قتلا مستأصلا لعامتهم. و في رواية: «إذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة» و بهذا استدل من يقول بجواز قتل الخوارج. و قد قاتلهم عليّ (كرم اللّه وجهه). و قد سئل (صلى اللّه عليه و سلم) عن الخوارج، أهم كفار؟ فقال: «من الكفر فروا، فقيل: أ منافقون؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون اللّه إلا قليلا و هؤلاء يذكرون اللّه كثيرا فقيل: ما هم؟ فقال: أصابتهم فتنة فعموا و صموا» فلم يجعلهم (صلى اللّه عليه و سلم) كفارا لأنهم تعلقوا بضرب من التأويل.
و حينئذ يكون المراد بالدين في وصفهم بالمروق من الدين الطاعة لا الملة، و يبعده رواية بدل الإيمان: الإسلام، و كان مصداق ما قاله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أن ذا الخويصرة خرج منه حرقوص المعروف بذي الثدية، و هو أول من بويع من الخوارج بالأمانة.