السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٩ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
أي «و أقام (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة أي بعد فتحها تسعة عشر، و قيل ثمانية عشر يوما» و اعتمده البخاري «يقصر الصلاة في مدة إقامته». و بهذا الثاني قال أئمتنا إن من أقام بمحل لحاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يوما غير يومي الدخول و الخروج، و لعل سبب إقامته المدة المذكورة أنه كان يترجى حصول المال الذي فرقه في أهل الضعف من أصحابه، فلما لم يتم له ذلك خرج من مكة إلى حنين لحرب هوازن.
و جاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) سعد بن أبي وقاص، و قد أخذ بيد ابن وليدة زمعة و معه عبد بن زمعة، فقال سعد: يا رسول اللّه هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إليّ أنه ابنه:
أي قال إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه مني فاقبضه إليك، فقال عبد بن زمعة: يا رسول اللّه هذا أخي ابن وليدة أبي زمعة ولدته على فراشه: أي مع كونها فراشا له، فنظر (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ذلك الولد فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال لعبد بن زمعة: هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراش أبيك زمعة «الولد للفراش و للعاهر الحجر» و قال لزوجته سودة بنت زمعة «احتجبي منه يا سودة لما رأى عليه من شبه عتبة: أي فخشي أن يكون ابن خاله فأمرها بالاحتجاب ندبا و احتياطا، فلم يرها حتى لقي اللّه. و في بعض الروايات «احتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ».
و سرقت امرأة فأراد (صلى اللّه عليه و سلم) قطعها ففزع قومها إلى أسامة بن زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهم يستشفعون به، فلما كلمه أسامة فيها تلون وجهه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: «أ تكلمني في حد من حدود اللّه تعالى؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول اللّه، ثم قام (صلى اللّه عليه و سلم) خطيبا فأثنى على اللّه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه» و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و الذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بتلك المرأة فقطعت يدها». و في كلام بعضهم: كانت العرب في الجاهلية يقطعون يد السارق اليمنى.
و ولى (صلى اللّه عليه و سلم) عتاب بن أسيد رضي اللّه تعالى عنه و عمره إحدى و عشرون سنة أمر مكة، و أمره (صلى اللّه عليه و سلم) أن يصلي بالناس، و هو أول أمير صلى بمكة بعد الفتح جماعة، و ترك (صلى اللّه عليه و سلم) معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه بمكة معه معلما للناس السنن و الفقه.
في الكشاف، و عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة و قال:
انطلق فقد استعملتك على أهل اللّه، أي و قال ذلك ثلاثا» فكان رضي اللّه عنه شديدا على المريب لينا على المؤمن، و قال: و اللّه لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة: يا رسول اللّه لقد استعملت على أهل اللّه عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إني