السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٢٧ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه، يعني أباه أبا قحافة، و ذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك كذا في الشفاء، و كان رأس أبي قحافة و لحيته بيضاء كالثغامة، فقال: غيروهما، و جنبوهما السواد. أي و في رواية:
«و اجتنبوا السواد» و جاء: «غيروا الشيب، و لا تشبهوا باليهود و النصارى» و في رواية:
«اليهود و النصارى لا يصبغون فخالفوهم» و جاء: «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء و الكتم» و عن أنس رضي اللّه تعالى عنه: «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خضب بالحناء و الكتم» قال ابن عبد البر (رحمه اللّه): و الصحيح أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يخضب، و لم يبلغ من الشيب ما يخضب له. و قد اختصب أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بالحناء و الكتم.
و اختضب عمر رضي اللّه تعالى عنه بالحناء. و جاء: «يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا و خالفوا أهل الكتاب» و كان عثمان رضي اللّه تعالى عنه يصفر. و عن أنس رضي اللّه تعالى عنه «دخل رجل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو أبيض الرأس و اللحية، فقال أ لست مؤمنا؟ قال بلى، قال: فاختضب» لكن قيل إنه حديث منكر. و جاء «من اختضب بالسواد سود اللّه وجهه يوم القيامة» قيل إنه حديث منكر. و جاء «يكون آخر الزمان رجال من أمتي يغيرون بالسواد لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة» قيل هو غريب جدا.
قال بعضهم: و لعل من خضب بالسواد من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم كسعد بن أبي وقاص و الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهم، أي و عقبة بن عامر المدفون بمصر قال بعضهم: ليس بمصر قبر صحابي متفق عليه إلا قبر عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه، فإنه كان يخضب بالسواد و هو القائل في ذلك:
تسوّد أعلاها و تأبى أصولها* * * و لا خير في الأعلى إذا فسد الأصل
و كان واليا على مصر من جهة معاوية رضي اللّه تعالى عنه، فعزله بمسلمة بن مخلد و أمره بالغزو في البحر.
و كان عقبة رضي اللّه تعالى عنه يقول: ما أنصفنا معاوية، عزلنا و غرّبنا لم يبلغهم النهي أو فهموا أن النهي للكراهة.
و قد جاء: «أول من جزع من الشيب إبراهيم عليه الصلاة و السلام حين رآه فى عارضه، فقال عليه الصلاة و السلام: يا رب ما هذه الشوهة التي شوهت بخليلك؟
فأوحى اللّه إليه: هذا سربال الوقار، و نور الإسلام، و عزتي و جلالي ما ألبسته أحدا من خلقي يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي إلا استحيت منه يوم القيامة، أن أنصب له ميزانا، و أنشر له ديوانا أو أعذبه بالنار، فقال: يا رب زدني، فأصبح رأسه مثل الثغامة البيضاء» و في المشكاة قال (صلى اللّه عليه و سلم): «يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد لا يجدون رائحة الجنة» رواه أبو داود و النسائي، أي و في