السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١٢ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
ينظرون فيما فعلت، فاستوى (صلى اللّه عليه و سلم) على راحلته بعد العصر و دعا بإناء فيه ماء، و قيل لبن فشرب، ثم ناوله لرجل بجنبه فشرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس صام، فقال: أولئك العصاة، أي لأنهم خالفوه أمره (صلى اللّه عليه و سلم) لهم بالفطر ليقووا على مقاتلة العدو، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: إنكم قد دنوتم من عدوكم و الفطر أقوى لكم، فلم يزل (صلى اللّه عليه و سلم) يفطر حتى انسلخ الشهر انتهى.
أي و في قديد عقد (صلى اللّه عليه و سلم) الألوية و الرايات، و دفعها للقبائل، ثم سار حتى نزل بمر الظهران: أي و هو الذي يقال له الآن بطن مرو عشاء، أي و قد أعمى اللّه الأخبار عن قريش إجابة لدعائه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلم يعلموا بوصوله إليهم، أي و لم يبلغهم حرف واحد من مسيره إليهم، فأمر (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، و جعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و كان العباس رضي اللّه عنه قد خرج قبل ذلك بعياله مسلما، أي مظهرا للإسلام مهاجرا، فلقي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالجحفة، و قيل بذي الحليفة، فرجع معه إلى مكة، أي و أرسل أهله و ثقله إلى المدينة، و قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة» قال العباس رضي اللّه عنه:
و رقت نفسي لأهل مكة، أي و قال: يا صباح قريش، و اللّه لئن دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال العباس رضي اللّه عنه: فجلست على بغلة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) البيضاء أي زاد بعضهم التي أهداها له دحية الكلبي، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة يخبرهم بمكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة فو اللّه إني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان و بديل بن ورقاء و هما يتراجعان، أي و قد خرجا و حكيم بن حزام: أي بعد أن خرج أبو سفيان و حكيم بن حزام، فلقيا بديلا فاستصحباه و خرجوا يتجسسون الأخبار، و ينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به؟ أي لأنهم علموا بمسيره (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يعلموا إلى أي جهة.
و في سيرة الدمياطي: و لم يبلغ قريشا مسيره إليهم فلا ينافي ما قبله. و هم مغتمون يخافون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتجسس الأخبار و قالوا:
إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا، أي فلما سمعوا صهيل الخيل راعهم ذلك و أبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط و لا عسكرا، هذه كنيران عرفة، و بديل يقول له: هذه و اللّه خزاعة حمشتها الحرب، و حمشتها بالحاء المهملة و الشين المعجمة:
أي أحرقتها و قيل بالسين المهملة: أي اشتدت عليها من الحماسة و هي الشدة، و أبو سفيان يقول: خزاعة أذل و أقل من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها. أي و في رواية أن القائل هذه خزاعة غير بديل، و أن بديلا هو القائل هؤلاء أكثر من خزاعة و هو المناسب، لأن بديلا من خزاعة. قال العباس رضي اللّه عنه: فعرفت صوت أبي