المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥٢ - ٢٥- أمية بن أبي الصلت
و ساكن أقطار بأرجاء مصعد * * * و ذو الغيب و الأرواح كل معبد
و دون كثيف الماء في غامض الهوا * * * ملائكة تنحطّ فيها و تقصد
و بين طباق الأرض تحت بطونها * * * ملائكة بالأمر فيها تردد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره * * * و من هو فوق العرش فرد موحد
و من لم ينازعه الخلائق ملكه * * * و إن لم يفرّده العباد يفرّد
مليك السموات الشداد و أرضها * * * و ليس بشيء عن هواه تأوّد
و سبحان ربي خالق النور لم يلد * * * و لم يك مولودا بذلك أشهد
و سبحانه من كل إفك و باطل * * * و لا والد ذو العرش أم كيف يولد
هو اللَّه باري الخلق و الخلق كلهم * * * إماء له طوعا جميعا و أعبد [١]
هو الصمد الحي الّذي [٢] لم يكن له * * * من الخلق كفؤ قد يضاهيه مضدد
و أنى يكون الخلق كالخالق الّذي * * * يدوم و يبقى و الخليقة تنفد
/ و ليس بمخلوق على الدهر جده * * * و من ذا على مر الحوادث يخلد
و يفنى و لا يبقى سوى القاهر الّذي * * * يميت و يحيي دائبا ليس يمهد
تسبحه الطير الحوائج في الخفا * * * و إذ هي في جو السماء تصعد
و من خوف ربي سبح الرعد فوقنا * * * و سبحه الأشجار و الوحش أبّد
و سبحه البنيان و البحر زاخر * * * و ما ضم من شيء و ما هو متلد
ألا أيها القلب المقيم على الهوى * * * إلى أي حين منك هذا التمرد
عن الحق كالأعمى المحيط عن الهوى * * * و قد جاءك النجد النبي محمد
بنور على نور من الحق واضح * * * دليل على طرق الهدى ليس يخمد
ترى فيه أبناء القرون التي خلت * * * و أخبار غيب في القيامة توجد
و حالات دنيا لا تدوم لأهلها * * * و فيها منون ريبها متردد
ألا إنما الدنيا بلاغ و بلغة * * * و بينا الفتى فيها مهيب مسود
إذ انقلبت عنه و زال نعيمها * * * فأصبح من ترب القبور يوسد
و فارق روحا كان بين حياته * * * و جاور موتى ما لهم متبدد
فأي فتى قبلي رأيت مخلدا * * * له في قديم الدهر ما يتورد
[١] هذا البيت ساقط من أ.
[٢] في الأصل: «هو الصمد اللَّه الّذي».