المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٠ - غزوة بدر
يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، و كان أمية بن خلف شيخا ثقيلا فأجمع القعود، فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها نار، فوضعها بين يديه، ثم قال له: استجمر فإنما أنت من النساء، قال: قبّحك اللَّه و قبح ما جئت به. ثم تجهز و خرج [مع] [١] الناس، فلما أجمعوا السير ذكروا ما بينهم و بين كنانة، فقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا. فتبدّى لهم إبليس في صورة مالك بن جعشم، و كان من أشراف كنانة، فخرجوا سراعا معهم القيان و الدفوف، و كانوا تسعمائة و خمسين مقاتلا، و كانت خيلهم مائة فرس.
و أتى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس و أخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد فقال: امض يا رسول اللَّه لما أمرك اللَّه، فنحن معك، و اللَّه لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [٢] و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الّذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى «برك الغماد»- يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم خيرا.
قال ابن إسحاق: ثم قال/ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «أيها الناس، أشيروا عليّ» و إنما يريد الأنصار، و ذلك أنهم قالوا حين بايعوه بالعقبة: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع به نساءنا و أبناءنا.
و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، و أن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو، فلما قال ذلك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم قال سعد بن معاذ: و اللَّه لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه. قال: «أجل» قال: فقد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت به هو الحق، و أعطيناك عهودنا على السمع و الطاعة، فامض لما أردت، فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، و ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل اللَّه أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة اللَّه تعالى.
فسرّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بقول سعد و نشطه ذلك، ثم قال: «سيروا على بركة اللَّه،
[١] في الأصل: من.
[٢] سورة المائدة، آية: ٢٤.