المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤٤ - ٢٥- أمية بن أبي الصلت
المحارم و المظالم؟ قلت [١]: إي و اللَّه، قال: و يصل الرحم و يأمر بصلتها؟ قلت: إي و اللَّه، قال: فهل تعلم قريشا أشرف منه؟ قلت: لا، قال: أو محوج هو؟ قلت: لا بل هو ذو مال كثير، قال: كم أتى عليه من السن؟ قلت: هو ابن سبعين سنة قد قاربها، قال: و السن و الشرف أزريا به؟ قلت: لا و اللَّه بل زاده خيرا، قال: هو ذاك، ثم قال: إن الّذي رأيت بي [البارحة] [٢]، إني جئت هذا العالم فسألته عن هذا الّذي ننتظر، فقال: هو رجل من العرب من أهل بيت تحجه العرب، قال: هو من إخوانكم و من جيرانكم من قريش، فأصابني شيء ما أصابني مثله، إذ خرج من يدي فوز الدنيا و الآخرة، و كنت أرجو أن أكون أنا هو، فقلت: فصفه لي، فقال: رجل شاب حين دخل في الكهولة بدوّ أمره، انه [يجتنب المحارم و المظالم، و يصل الرحم و يأمر بصلتها، و هو محوج] [٣] كريم الطرفين متوسط في العشيرة، و أكثر جنده من الملائكة، قلت: و ما آية ذلك؟ قال: رجفت الشام منذ هلك عيسى ابن مريم ثمانين رجفة، كلها فيها مصيبة، و بقيت رجفة عامة فيها مصيبة يخرج على أثرها، فقلت: هذا هو الباطل، لئن بعث اللَّه رسولا لا يأخذه إلا/ منا شريفا.
قال أمية: و الّذي يحلف به إنه لهكذا، فخرجنا حتى إذا كان بيننا و بين مكة ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فإذا هو يقول: أصابت الشام بعدكم [رجفة] دمرت [٤] أهلها فيها و أصابهم مصائب عظيمة، فقال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ فقلت: و اللَّه ما أظن صاحبك إلا صادقا.
و قدمنا مكة، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة تاجرا، فمكثت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة [٥] فجاءني الناس يسلمون [علي] [٦] و في آخرهم محمد صلّى اللَّه عليه و سلّم، و هند تلاعب صبيانها، فسلم عليّ و رحب بي و سألني عن سفري و مقدمي ثم انطلق.
فقلت: و اللَّه إن هذا الفتى لعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني
[١] في الأصل: قال.
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من أ.
[٣] ما بين المعقوفتين: من أ.
[٤] في الأصل: بعدكم دمر، و التصحيح من البداية و النهاية.
[٥] في أ: «ثم جئت مكة».
[٦] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من أ.