المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٢٤ - و في هذه الغزاة كان حديث الإفك
فاستغفري اللَّه و توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب اللَّه عليه.
قالت: فلما قضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم مقالته، فاض دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقال: و اللَّه ما أدري ما أقول يا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقالت: و اللَّه ما أدري ما أقول يا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم قالت: فقلت و أنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن، و إني و اللَّه قد عرفت انكم قد سمعتم هذا حتى استقر في نفوسكم و صدقتم، و لئن قلت لكم إني بريئة و اللَّه عز و جل يعلم أني بريئة، فلا تصدقوني بذلك، و لئن اعترفت لكم بأمر و اللَّه يعلم اني بريئة تصدقوني، و إني و اللَّه ما أجد لي و لكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [١].
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، و أنا و اللَّه حينئذ أعلم أني بريئة و أن اللَّه عز و جل مبرئي ببراءتي، و لكن و اللَّه ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي و لشأني كان أحقر/ في نفسي من أن يتكلم اللَّه عز و جل في بأمر يتلى، و لكن كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في النوم رؤيا يبرئني اللَّه عز و جل بها، قالت: فو اللَّه ما رام رسول اللَّه مجلسه، و لا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه عز و جل على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الّذي أنزل عليه، قالت: فلما سري عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «أبشري يا عائشة، أمّا و اللَّه عز و جلّ فقد برأك»، فقالت أمي: قومي إليه، فقلت: لا و اللَّه لا أقوم إليه و لا أحمد إلا اللَّه عز و جل هو الّذي أنزل براءتي، و أنزل اللَّه عز و جل: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [٢] عشر آيات، فأنزل اللَّه عز و جل هذه الآيات براءتي.
فقال أبو بكر و كان ينفق على مسطح لقرابته منه و فقره: و اللَّه لا أنفق عليه شيئا أبدا، بعد الّذي قال لعائشة. فأنزل اللَّه عز و جل: وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ [٣] إلى قوله: أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
[١] سورة يوسف، الآية ١٨.
[٢] سورة: النور، الآية: ١١.
[٣] سورة: النور، الآية: ٢٢.