المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦٣ - و في هذه السنة كانت غزوة تبوك و ذلك في رجب
و جاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم [في التخلف] [١] من غير علة فأذن لهم و هم بضعة و ثمانون رجلا، و جاء المعذرون من الأعراب، فاعتذروا فلم يعذرهم، و هم اثنان و ثمانون رجلا، و كان عبد اللَّه بن أبيّ قد عسكر في حلفائه من اليهود و المنافقين على ثنية الوداع، و استخلف النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم على المدينة محمد بن مسلمة، و جاء واثلة بن الأسقع فبايعه ثم لحق به، فلما سار تخلف [عبد اللَّه] بن أبيّ و من معه، و بقي نفر من المسلمين، منهم: كعب بن مالك، و هلال بن أمية، و مرارة بن الربيع، و أبو خيثمة السالمي، و أبو/ ذر الغفاريّ فقدم تبوكا في ثلاثين ألفا من الناس، و كانت الخيل عشرة آلاف فرس، و كان على حرسه عباد بن بشير، و لقوا في الطريق شدة.
قيل لعمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: حدّثنا عن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد ظننا أن رقابنا ستقطع حتى ان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تتقطع، و حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه [٢] فيشربه و يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر رضي اللَّه عنه: يا رسول اللَّه، إن اللَّه قد عودك في الدعاء خيرا فادع اللَّه لنا، قال: «تحب ذلك»، قال:
نعم، فرفع يديه فلم يرجعها حتى [قالت السماء] [٣] فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
و في هذه السفرة: اشتد بهم العطش و معهم اداوة فيها ماء فصبه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في إناء ففاضت حتى روي العسكر و هم ثلاثون ألفا، و الإبل اثنا عشر ألفا، و الخيل عشرة آلاف.
و فيها: مر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بالحجر [من] أرض ثمود، و استقى الناس من أبيارهم فنهاهم.
قال ابن عمر: ان الناس نزلوا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أرض ثمود الحجر فاستسقوا من أبيارها و عجنوا به، فأمرهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أن يهريقوا ما استقوا من أبيارها و أن يعلفوا الإبل العجين، و أمرهم أن يستقوا من النهر التي كانت ترده الناقة.
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من ابن سعد.
[٢] في ابن سعد: فيعصر كرشه.
[٣] في الأصل: حتى قال فملئوا.