المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٨ - ذكر ما جرى من هؤلاء الملوك حين/ بعث إليهم
قال: قال أبو سفيان: و لم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به غيرها، لا أخاف أن يأثروا عني. قال: فهل قاتلتموه أو قاتلكم؟ [قال]: [١] قلت: نعم. قال: كيف كانت حربكم و حربه؟ قال: قلت: كانت دولا سجالا ندال عليه المرّة، و يدال علينا الأخرى، قال: فبم يأمركم؟ قال: قلت: يأمرنا أن نعبد اللَّه وحده و لا نشرك به شيئا، و ينهانا عما كان يعبد آباؤنا، و يأمرنا بالصلاة/ و الصدق، و العفاف و الوفاء بالعهد، و أداء الأمانة.
قال: فقال لترجمانه حين قلت له ذلك: قل [٢] له إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو نسب، و كذلك الرسل تبعث في نسب قومها، و سألتك هل قال هذا القول أحد منكم قط قبله فزعمت أن لا. فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت: رجل يأتمّ بقول قيل قبله، و سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، و يكذب على اللَّه تعالى، و سألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت:
رجل يطلب ملك آبائه، و سألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه و هم أتباع الرسل، و سألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، و كذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب لا يسخطه أحد، و سألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، و كذلك الرسل، و سألتك هل قاتلتموه و قاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل، و أن حربكم و حربه يكون دولا يدال عليكم المرة و تدالون عليه الأخرى، و كذلك الرسل تبتلى و يكون لها العاقبة، و سألتك بما ذا يأمركم؟
فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه عز و جل وحده لا تشركوا به شيئا [٣] و ينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، و يأمركم بالصدق و الصلاة، و العفاف، و الوفاء بالعهد، و أداء الأمانة، و هذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج، و لكن لم أظن أنه منكم، فإن يكن ما قلت فيه [٤] حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، و اللَّه لو أرجو أن أخلص إليه لتجشّمت لقيّه، و لو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فأمر به، فقرئ فإذا فيه:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم. من محمد عبد اللَّه و رسوله إلى هرقل عظيم الروم،
[١] ما بين المعقوفتين: من المسند.
[٢] في الأصل: حين قلت ذلك قال: قل.
[٣] في الأصل: «وحده لا شريك له».
[٤] في الأصل: ما قلته.