المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٧ - و في هذه السنة كانت غزوة الخندق و هي غزوة الأحزاب
كأنما أمشي في حمام [١] حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره [٢] بالنار فوضعت سهمي في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «لا تذعرهم عليّ» فرجعت و أنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته أخبرته خبر القوم و فرعت و قررت [٣]، فألبسني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، قال صلّى اللَّه عليه و سلّم: «قم يا نومان»
[٤].
و
قد رواه ابن إسحاق عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة [٥] لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد اللَّه، رأيتم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و صحبتموه، قال: نعم يا ابن أخي، قال: كيف كنتم تصنعون؟ قال: و اللَّه لقد كنا نجهد، فقال الفتى:
و اللَّه لو أدركناه ما تركناه يمشي على وجه الأرض و لحملناه على أعناقنا، فقال حذيفة:
يا ابن أخي، و اللَّه لقد رأيتنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بالخندق يصلي هويّا [٦] من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم [ثم يرجع]» [٧] و شرط له انه إذا رجع أدخله اللَّه الجنة، فما قام رجل، ثم صلّى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثل ذلك، ثم قال: «أسأل اللَّه أن يكون رفيقي في الجنة»./ فما قام أحد من شدة الخوف و الجوع و البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فلم يكن لي بد من القيام، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون.
فذهبت فدخلت في القوم و الريح [و جنود اللَّه] تفعل بهم ما تفعل فلا تترك قدرا و لا نارا، و لا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ جليسه، فأخذت بيد الرجل الّذي كان إلى
[١] أي: أنه لم يجد من البرد الّذي يجده الناس و لا من تلك الريح الشديدة شيئا، بل عافاه اللَّه ببركة إجابته فيما وجه إليه.
[٢] يدفئه.
[٣] قررت: بردت.
[٤] أي: يا كثير النوم.
و الحديث أخرجه مسلم في ٣٢، كتاب الجهاد و السير، ٣٦، باب غزوة الأحزاب، حديث ٩٩، ص ١٤١٤، و البيهقي في الدلائل ٣/ ٤٤٩، ٤٥٠، و عزاه لمسلم.
[٥] في الأصل: «من أهل مكة». و التصحيح من أ، و ابن هشام ٢/ ٢٣١، و الطبري ٢/ ٥٨٠.
[٦] الهوي: الهزيع من الليل.
[٧] ما بين المعقوفتين: من سيرة ابن هشام.