المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٥ - غزوة حنين، و حنين واد بينه و بين مكة ثلاث ليال و هي غزوة هوازن
اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بحصياته، فما زلت أرى حدّهم كليلا [١]، و أمرهم مدبرا حتى هزمهم اللَّه.
قال:
و كأني انظر إلى النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم يركض خلفهم على بغلته [٢].
قال أحمد [٣]: و حدّثنا عفان قال: حدّثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد اللَّه بن سيار، عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: كنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ضلال شجرة، فلما زالت الشمس لبست لأمتي و ركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه و رحمة اللَّه و بركاته، حان الرواح، فقال: «أجل يا بلال» فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك و سعديك و أنا فداؤك، فقال: «أسرج لي فرسي»، فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر و لا بطر، قال: فأسرج فركب و ركبنا، فصادفناهم عشيتنا و ليلتنا، فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين، كما قال اللَّه عز و جل.
فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «يا عباد اللَّه أنا عبد اللَّه و رسوله». ثم قال: «يا معشر المهاجرين، أنا عبد اللَّه و رسوله» [قال] [٤]: ثم اقتحم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم عن فرسه فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الّذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم، و قال: «شاهت الوجوه»، فهزمهم اللَّه عز و جل.
قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه و فمه ترابا، و سمعنا صلصلة بين السماء و الأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد.
[١] أي: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة.
[٢] الخبر أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٠٧، و مسلم في الجهاد و السير باب في غزوة حنين عن العباس ٥/ ١٦٦، ١٦٧، و الحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة عنه ٣/ ٣٢٧، ٣٢٨، و وهم في استدراكه على مسلم.
[٣] مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٢٨٦.
[٤] ما بين المعقوفتين: من المسند.