المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٧٠ - فأما قصة كعب و صاحبيه
قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أتخلع من مالي صدقة إلى اللَّه تعالى، و إلى رسوله، قال [رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم]: «أمسك بعض مالك فهو خير لك». قال: فقلت: إني أمسك سهمي الّذي بخيبر، فقلت: يا رسول اللَّه إنما نجاني اللَّه تعالى بالصدق و إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فو اللَّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللَّه من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أحسن مما أبلاني اللَّه تبارك و تعالى، و اللَّه ما تعمدت كذبا منذ قلت ذلك لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: إلى يومي هذا، و إني لأرجو أن/ يحفظني اللَّه فيما بقي.
قال: و أنزل اللَّه تبارك و تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [١].
قال كعب: فو اللَّه ما أنعم اللَّه تبارك و تعالى علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يومئذ أن لا أكون كذبته [٢] فأهلك كما هلك الذين كذبوه [حين كذبوه]، فإن اللَّه تبارك و تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما يقال لأحد، فقال اللَّه تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [٣].
قال: و كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم حين حلفوا فبايعهم و استغفر لهم فأرجئ رسول اللَّه أمرنا حتى قضى اللَّه [تعالى فيه]، فبذلك قال اللَّه تعالى: وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [٤] و ليس تخليفه إيانا، و إرجاؤه أمرنا الّذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، و إنما هو عمن حلف له و اعتذر إليه فقبل منه [٥].
[١] سورة: التوبة، الآية: ١١٧، ١١٩.
[٢] في الأصل: أن لا أكذبه».
[٣] سورة: التوبة، الآية: ٩٥، ٩٦.
[٤] سورة: التوبة، الآية: ١١٨.
[٥] الخبر في المسند ٣/ ٤٥٦- ٤٥٩ و البداية و النهاية ٥/ ٢٣- ٢٤.