المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦ - ذكر العقبة الثانية
الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم».
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: و الّذي بعثك بالحق، لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا [١]، فبايعنا يا رسول اللَّه، فنحن و اللَّه أهل الحرب [٢] و أهل الحلقة [٣]، ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القول، و البراء يكلّم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، أبو الهيثم بن التّيّهان [٤]، فقال: يا رسول اللَّه، إن بيننا و بين الناس [٥] حبالا و نحن قاطعوها- يعني: اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك [٦] ثم أظهرك اللَّه أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟
فتبسم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، ثم قال: « [بل] [٧] الدم الدم، و الهدم الهدم [٨]، أنتم مني و أنا منكم، أحارب من حاربتم، و أسالم من سالمتم».
و قال: «أخرجوا إليّ اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم».
[١] أزرنا: أي نساءنا. و المرأة قد يكنى عنها بالإزار، كما يكنى أيضا بالإزار عن النفس، و يجعل الثوب عبارة عن لابسه. قال الشاعر:
رموها بأثواب خفاف فلا ترى * * * لها شبها إلا النعام المنفرا
و على هذا يصح أن يحمل قول البراء على إرادة المعنيين جميعا.
[٢] في ابن هشام: «أبناء الحروب».
[٣] الحلقة: السلاح.
[٤] في الأصل: «فاعترض القول و البراء يكلم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقال: أبو الهيثم». و في ألوفا: «فاعترض القوم أبو الهيثم بن التيهان، فقال»: و ما أثبتناه من أ، و ابن هشام.
و التيهان: يروى بتشديد الياء و تخفيفها.
[٥] في ابن هشام: «بيننا و بين الرجال حبالا».
[٦] في الأصل: «و هل إن عسيت إن فعلنا ذلك».
[٧] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و أوردناها من ابن هشام.
[٨] قال ابن قتيبة: كانت العرب تقول عند عقد الحلف و الجوار: دمي دمك. و هدمي هدمك، أي ما هدمت من الدماء هدمته أنا.
و روى أيضا: بل اللدم للدم، و الهدم للهدم. فاللدم جمع لادم، و هم أهله الذين يلتدمون عليه إذا مات، و هو من لدمت صدرها إذا ضربته.
و قال ابن هشام: و يقال: الهدم الهدم: يعني الحرمة، أي: ذمتي ذمتكم، و حرمتي حرمتكم.