المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠١ - سرية مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى الرجيع في صفر
اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقالوا: إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا/ و يقرئونا القرآن، و يعلمونا شرائع الإسلام، فبعث صلّى اللَّه عليه و سلّم معهم عشرة [١]، منهم: عاصم بن ثابت، و مرثد بن أبي مرثد، و عبد اللَّه بن طارق، و خبيب بن عدي، و زيد بن الدّثنة، و خالد بن أبي البكير، و معتب بن عبيد.
و فيمن أمّره عليهم، قولان: أحدهما: مرثد، و الآخر عاصم.
فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع و هو ماء لهذيل، غدروا بالقوم و استصرخوا عليهم هذيلا، فخرجوا بني لحيان فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف، فأخذ أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم السيوف بأيديهم، فقالوا للمشركين: إنّا و اللَّه ما نريد إلا أن نصيب بكم ثمنا من أهل مكة، و لكم العهد و الميثاق ألا نقتلكم.
فأما عاصم، و مرثد، و خالد، و معتب فقالوا: و اللَّه لا نقبل من مشرك عهدا، فقاتلوهم حتى قتلوا.
و أما زيد، و خبيب، و ابن طارق فاستأسروا [و أعطوا بأيديهم] و أرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد- و كانت نذرت أن تشرب في قحفه الخمر- لأنه قتل ابنيها يوم أحد فحمته الدّبر [٢]، فلم يقدروا عليه، فقال: أمهلوه حتى يمسي فتذهب عنه، فبعث اللَّه الوادي فاحتملته و خرجوا بالنفر الثلاثة، حتى إذا كانوا بمرّ الظهران انتزع عبد اللَّه بن طارق يده منهم، و أخذ سيفه، و استأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، و قدموا بخبيب و زيد إلى مكّة فابتاع حجير بن أبي أهاب خبيبا لابن أخته عقبة بن الحارث ليقتله بابنه و ابتاع صفوان بن أمية زيدا ليقتله بأبيه، فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم، ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما.
و قال قائل لزيد عند قتله: أ تحبّ أنّك الآن في أهلك و أنّ محمدا [عندنا] مكانك، فقال: و اللَّه ما أحب أن محمدا يشاك في مكانه بشوكة و إني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: و اللَّه ما رأيت من قوم قط أشدّ حبا لصاحبهم من أصحاب محمد [له].
أخبرنا أبو الوقت، قال:/ أخبرنا ابن طلحة، قال: أخبرنا ابن أعين، قال: أخبرنا
[١] في الطبري، و ابن هشام: «ستة»، و الأصح كما ورد هنا.
[٢] الدبر: الزنابير و النحل.