المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٧٣ - غزوة حمراء الأسد
و هو مجروح مشجوج مكسور الرباعية و شفته العليا [١] قد كلمت في باطنها و هو متوهن المنكب/ الأيمن من ضربة ابن قميئة، و نزل إليه أهل العوالي، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد، و هي من المدينة على عشرة أميال، و قيل: ثمانية و للقوم زجل و هم يأتمرون بالرجوع و صفوان بن أمية ينهاهم، فبصروا بالرّجلين، فرجعوا إليهما فقتلوهما، و مضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، فدفن الرجلان في قبر واحد، و أقام بها الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء، و كان [٢] المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار فذهب صوت معسكرهم و نارهم في كل وجه فكبت اللَّه بذلك عدوهم، و وجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أبا عزة فقتله صبرا، و انصرف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة، و كانت غيبته خمس ليال.
أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال:
أسر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم بدر أبا عزة الشاعر و اسمه عمرو، و كان ذا بنات، فقال له:
دعني لبناتي، فرحمه فأطلقه و أخذ عليه أن لا يكثر عليه بعدها، فلما جمعت قريش لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أقبلوا إليه و كلمه صفوان بن أمية، و سأله أن يخرج إلى بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة و هم حلفاء قريش يسألهم النصر فأبى، و قال: إن محمدا قد أمّن علي و أعطيته أن لا أكثر عليه، فلم يزل صفوان يكلمه حتى خرج إلى بني الحارث، فحرضهم على الخروج مع قريش و النصر لهم، فقال في ذلك:
أنتم بنو الحارث و الناس الهام * * * أنتم بنو عبد مناة الردام
أنتم حماة و أبوكم حام * * * لا تعدوا ناصركم بعد العام
لا تسلمونا لا يحل إسلام
فلما انصرفت قريش عن أحد تبعهم رسول اللَّه حتى بلغ حمراء الأسد فأصاب بها عمرا فقال له: يا محمد عفوك، فقال صلّى اللَّه عليه و سلّم/: «لا تمسح لحيتك بمكة و تقول، خدعت محمدا مرتين».
[١] في ابن سعد ١/ ٢/ ٣٤: «شفته السفلى».
[٢] في الأصل: و كانوا.