الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٣١ - النبي صلّى اللّه عليه و آله يصل الماضي بالحاضر
النبي صلّى اللّه عليه و آله يصل الماضي بالحاضر:
قد عرفنا فيما سبق: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد نزل في نفس الموقع الذي حصره فيه أهل الكفر هو و سائر بني هاشم، حينما تظاهروا عليه و عليهم بالإثم و العدوان، و قد مكثوا فيه حوالي ثلاث سنوات يقاسمون الآلام، و لا يقدرون على الاتصال بأحد من الناس، إلا خفية، و قد منع الناس من إقامة أية صلة بهم، حتى صلة البيع و الشراء لأبسط الأشياء، فضلا عن منعهم الناس من مجالستهم، و من التزوج منهم، و التزويج إليهم، و ما إلى ذلك.
و ها هو «صلى اللّه عليه و آله» قد عاد إلى مكة، و معه أكثر من عشرة آلاف مقاتل. . و أصبح محاصروه بالأمس هم أسراه، و طبيعي أن يتوقعوا محاصرتهم من قبله، جزاء لهم على ما كسبت أيديهم.
نعم، لقد أصبح من لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه، أو يقيم معه أية صلة و لو عابرة، موضع الحفاوة و التكريم، و التبجيل و التعظيم، و يتلهف الناس للاقتراب منه، و التماس البركة به، و بكل شيء ينسب إليه، و يتمنون أن تشملهم منه نظرة أو لفتة، حتى لو كانت عابرة. .
بل إن أعداءه بالأمس، الذين تشهد تلك الشعاب التي نزل فيها على شدة ظلمهم له، و بغيهم عليه، يتوافدون إليه في نفس المكان الذي اضطهدوه فيه بالأمس، لتقديم فروض الولاء، و التفنن فيما يزجونه إليه من مدح و ثناء. فيتذكرون ما ارتكبوه في حقه، و في حق الشيوخ و الأطفال و النساء من صحبه و أهله، فهل يخجلون من أنفسهم؟ ! أو هل يندمون؟ ! و هل يتوبون إلى اللّه و يستغفرون؟ !