الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٤ - أيّها الإنسان أحسن إلى والديك
و شكر جهودهم و أتعابهم التي بذلوها، و الذي يعتبر مقدمة لشكر اللّه سبحانه، فتقول: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً [١].
«الوصية» و «التوصية» بمعنى مطلق الوصية، و لا ينحصر معناها بالوصايا بما بعد الموت، و لذلك فسّرها جماعة هنا بأنّها الأمر و التشريع.
ثمّ تطرّقت إلى سبب وجوب معرفة حقّ الأمّ، فقالت: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً تضحي خلالها الأم أعظم التضحيات، و تؤثر ولدها على نفسها أيّما إيثار.
إنّ حالة الأم تختلف منذ الأيّام الأولى لانعقاد النطفة، فتتوالى عليها الصعوبات، و هناك حالة تسمى حالة (الوحام) هي أصعب الحالات التي تواجهها الأم، و يقول الأطباء عنها: إنّها تنشأ نتيجة قلّة المواد التي تحدث في جسم الأم نتيجة إيثارها ولدها على نفسها.
و كلما تكامل نمو الجنين امتص موادا أكثر من عصارة روح الأم و جسدها، تترك أثرها على عظامها و أعصابها، فيسلبها أحيانا نومها و غذاءها و راحتها و هدوأها، أمّا في آخر فترة الحمل فيصعب عليها حتى المشي و الجلوس و القيام، إلّا أنّها تتحمل كلّ هذه المصاعب بصبر و رحابة صدر و عشق للوليد الذي سيفتح عينيه على الدنيا عمّا قريب، و يبتسم بوجه أمّه.
و تحل فترة وضع الحمل، و هي من أعسر لحظات حياة الأم، حتى أنّ الأم أحيانا تبذل نفسها و حياتها من أجل سلامة الوليد.
على كلّ حال، تضع الأم حملها الثقيل لتبدأ مرحلة صعبة أخرى، مرحلة مراقبة الطفل المستمرة ليل نهار ... مرحلة يجب أن تلبى فيها كلّ احتياجات الطفل الذي
[١]- «التوصية» تتعدى عادة بمفعولين، غايته أنّ المفعول الثّاني يقترن بالباء أو (الى)، و بناء على هذا فإنّ (إحسانا) لا يمكن أن تكون المفعول الثّاني في الجملة، إلّا أن نعتبر (وصينا) بمعنى (ألزمنا) التي تتعدى بمفعولين دون حاجة إلى حرف جر، أو أن نقول: إنّ في الآية محذوفا، نقدره: و وصينا الإنسان بأن يحسن بوالديه إحسانا، ففي هذه الحالة تكون (إحسانا) مفعولا مطلقا لفعل محذوف.