الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - كل شيء مسخر للإنسان
تعالى على كلّ فرد، و على كلّ شيء، و هو يوم العدل و القانون و المحكمة الكبرى.
لكن، و من أجل أنّ لا يستغل مثل هؤلاء الأفراد هذا الصفح الجميل و العفو و التسامي، فقد أضافت الآية: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
لقد اعتبر بعض المفسّرين هذه الجملة تهديدا للكفار و المجرمين، في حين أنّ البعض الآخر اعتبرها بشارة للمؤمنين لهذا العفو و الصفح. لكن لا مانع من أن تكون تهديد لتلك الفئة من جانب، و بشارة لهذه الجماعة من جانب آخر، كما أشير إلى هذا المعنى في الآية التالية أيضا.
تقول الآية: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.
إن هذا التعبير الذي ورد في القرآن الكريم مرارا، و بعبارات مختلفة، يشكل جوابا لمن يقول: ماذا يضر عصياننا اللّه تعالى، و ما تنفعه طاعتنا؟ و لماذا هذا الإصرار على طاعة و أوامره، و الانتهاء عن معاصيه؟
فتقول هذه الآيات: إنّ كلّ ضرر ذلك و كلّ نفعه يعود عليكم، فأنتم الذين تسلكون مراقي الكمال في ظل الأعمال الصالحة، و تحلقون إلى سماء قرب اللّه عزّ و جلّ، كما أنّكم أنتم الذين تهوون إلى الحضيض نتيجة ارتكابكم الآثام و المعاصي، فتبتعدون عن اللّه عزّ و جلّ و تستحقون بذلك اللعنة الأبدية.
إن كلّ أمور التكليف، و إرسال الرسل، و إنزال الكتب تهدف إلى هذا المراد السامي، و لذلك يقرر القرآن الحكيم وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [١] و يقول في موضع آخر: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [٢] و نقرأ في موضع ثالث: وَ مَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [٣]
[١]- لقمان، الآية ١٢.
[٢]- الزمر، الآية ٤١.
[٣]- فاطر، الآية ١٨.