الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - نتمنى أن نموت لنستريح من العذاب
صراخهم، و لا صريخ لهم.
أمّا لماذا لا يطلب هؤلاء الموت من اللّه مباشرة، بل يقولون لمالك: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ؟ فلأنّهم في ذلك اليوم محجوبون عن ربّهم، كما نقرأ ذلك في الآية (١٥) من سورة المطففين: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ و لذلك يطلبون طلبتهم هذه من ملك العذاب. أو بسبب أن مالكا ملك مقرب عند اللّه سبحانه.
و تقول الآية الأخرى، و التي هي في الحقيقة علة لخلود هؤلاء في نار جهنم:
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ.
و للمفسّرين رأيان مختلفان في أن هذا الكلام هل هو من قبل مالك خازن النّار، و أن ضمير الجمع يعود على الملائكة و منهم مالك، أم أنّه كلام اللّه تعالى؟
السياق يوجب أن يكون الكلام كلام مالك، لأنّه أتى بعد كلامه السابق، إلّا أنّ محتوى نفس الآية ينسجم مع كونه كلام اللّه تعالى، و الشاهد الآخر لهذا الكلام الآية (٧١) من سورة الزمر: وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ فهنا يعد الملائكة الرسل هم الذين جاؤوا بالحق، لا هم.
و للتعبير «بالحق» معنى واسع يشمل كل الحقائق المصيرية، و إن كانت مسألة التوحيد و المعاد و القرآن تأتي في الدرجة الأولى.
و هذا التعبير يشير- في الحقيقة- إلى أنّكم لم تخالفوا الأنبياء فحسب، و إنّما خالفتم الحق في الواقع، و هذه المخالفة هي التي ساقتكم إلى العذاب الخالد الأبدي.
و تعكس الآية التالية جانبا من كراهية هؤلاء للحق و اشمئزازهم منه، و كذلك مناصرتهم للباطل و التمسك به، فتقول: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [١] فقد حاك هؤلاء الأشرار الدسائس و دبروا المؤامرات لإطفاء نور الإسلام، و قتل النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلَّم و لم يتورعوا في إنزال الضربات بالإسلام و المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
[١]- «أم» في الآية منقطعة، و هي بمعنى (بل) و الإبرام بمعنى الإحكام.