الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٤ - التّفسير
الناحية العملية قدوة و أسوة لهم [١].
و يلزم أن نذكر هنا أن «الأسورة» جمع سوار، سواء كان من الذهب أم من الفضة.
و تشير الآية التالية إلى نكتة لطيفة، و هي: إنّ فرعون لم يكن غافلا عن واقع الأمر تماما، و كان ملتفتا إلى أن لا قيمة لهذه القيم و المعايير، إلّا أنّه: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ.
إنّ طريقة كل الحكومات الجبارة الفاسدة من أجل الاستمرار في تحقيق أهدافها و أنانياتها، هي الإبقاء على الناس في مستوى مترد من الفكر و الثقافة و الوعي، و تسعى إلى تركهم حمقى لا يعون ما حولهم باستخدام أنواع الوسائل، فتجعلهم غرقى في حالة من الغفلة عن الوقائع و الأحداث و الحقائق، و تنصب لهم قيما و موازين كاذبة منحطة بدلا من الموازين الحقيقية، كما تمارس عملية غسل دماغ تام متواصل لهذه الشعوب، و ذلك لأنّ يقظتها و وعيها، و تنامي رشدها الفكري يشكل أعظم خطر على الحكومات، و يعتبر أكبر عدو للحكومات المستبدة، فهذا الوعي بمثابة ما رد يجب أن تحاربه بكل ما أوتيت من قوّة.
إنّ هذا الأسلوب الفرعوني- أي استخفاف العقول- حاكم على كل المجتمعات الفاسدة في عصرنا الحاضر، بكل قوّة و استحكام، و إذا كان تحت تصرف فرعون وسائل محدودة توصله إلى نيل هدفه، فإنّ طواغيت اليوم يستخفون عقول الشعوب بواسطة وسائل الاتصال الجماعية، الصحف و المطبوعات، شبكات الراديو و التلفزيون، أنواع الأفلام، بل و حتى الرياضة في قالب الانحراف، و ابتداع أنواع الأساليب المضحكة المستهجنة، لتغرق هذه الشعوب في بحر الغفلة، فيطيعوهم و يستسلموا لهم، و لهذا كانت المسؤولية الملقاة على عاتق علماء الدين و الملتزمين به- و الذين يحيون خط الأنبياء الفكري و العقائدي- ثقيلة في محاربة
[١]- ورد في التّفسير الأمثل، ذيل الآية (٩) من سورة الأنعام بحث مفصل في هذا الباب.