الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - الفراعنة المغرورون و نقض العهد
المتناقضة، فلا عجب من أن يسمّوه ساحرا أوّلا، ثمّ يلجؤون إليه لرفع البلاء، و أخيرا يعدونه بالاهتداء.
بناء على هذا فيجب الحفاظ على ظاهر تعبيرات الآية و الوقوف عندها، إذ لا تبدو هناك حاجة إلى توجيهات و تفاسير أخرى.
و على أية حال، فيظهر من أسلوب الآية أنّهم كانوا يعدون موسى عليه السّلام و عودا كاذبة في نفس الوقت الذي هم بأمس الحاجة إليه، و حتى في حال المسكنة و عرض الحاجة لم يتخلوا عن غرورهم، و لذلك عبروا في طلبهم من موسى ب رَبَّكَ و بِما عَهِدَ عِنْدَكَ و لم يقولوا: ربّنا، و ما وعدنا، أبدا. مع أن موسى قال لهم بصراحة: إنّ رسول ربّ العالمين، لا رسول ربّي.
أجل، إن ضعاف العقول و المغرورين إذا ما تربعوا على عرش الحكم، فسيكون هذا منطقهم و عرفهم و أسلوبهم.
إلّا أن موسى رغم كل هذه التعبيرات اللاذعة و المحقرة لم يكفّ عن السعي لهدايتهم مطلقا، و لم ييأس بسبب عنادهم و تعصبهم، بل استمرّ في طريقه، و دعا ربّه مرات كي تهدأ عواصف البلاء، و هدأت، لكنّهم كما تقول الآية التالية: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ.
كل هذه دروس حيّة و بليغة للمسلمين، و تسلية للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لكي لا ينثوا مطلقا أمام عناد المخالفين و تصلبهم، و لا يدعوا اليأس يخيم على أرواحهم و أنفسهم، بل ينبغي أن يشقوا طريقهم بكل ثبات و رجولة و حزم، كما ثبت موسى عليه السّلام و بنو إسرائيل على مواقفهم، و استمرّوا في طريقهم حتى انتصروا على الفراعنة.
و هي أيضا تحذير للأعداء اللجوجين المعاندين، بأنهم ليسوا أقوى من فرعون و آل فرعون و لا أشد، فلينظروا عاقبة أمر أولئك، و ليتفكروا في عاقبتهم.