الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧ - أقران الشياطين!
أصبح قرين من كان يزين له كل القبائح و يسلكه طريق الضلال على أنّه سبيل الخير و الفلاح، و طريق الانحراف على أنّه طريق الهدى و الصلاح، و ويل له إذا أصبح مقيّدا معه بنفس الأصفاد في نفس السجن! نعم، إن عرصة القيامة تجسيد واسع لمشاهد هذه الدنيا، و القرين و الرفيق و القائد و الدليل هنا و هناك واحد، بل إنّهما- برأي بعض المفسّرين- يقرنان بسلسلة واحدة! من المعلوم أنّ المراد من المشرقين: المشرق و المغرب، لأنّ العرب عند ما يريدون أن يثنوا جنسين مختلفين بلفظ واحد، فإنّهم يختارون أحد اللفظين، كما يقولون: الشمسان، إشارة إلى الشمس و القمر، و الظهران، إشارة إلى صلاتي الظهر و العصر، و العشاء ان، إشارة إلى صلاتي المغرب و العشاء.
و قد ذكروا تفاسير أخرى لا تبدو مناسبة للآية من أي وجه، كقولهم: إنّ المراد هو مشرق بداية الشتاء، و مشرق بداية الصيف، و إن كان هذا التّفسير مناسبا في موارد أخرى.
و على أية حال، فإنّ هذا التعبير كناية عن أبعد مسافة يمكن تصورها، حيث يضرب المثل ببعد المشرق عن المغرب في هذا الباب.
إلّا أن هذا الأمل لا يتحقق مطلقا، و لا يمكن أن يقع الإفتراق أو البون بين هؤلاء و بين الشياطين، و لذلك فإنّ الآية التالية تضيف: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ فيجب أن تذوقوا عذاب قرين السوء هذا مع أنواع العذاب الأخرى إلى الأبد [١].
و بهذا فإنّ القرآن الكريم يبدل أمل هؤلاء في الإفتراق عن الشياطين إلى يأس دائم، و كم هو مضن تحمل هذا الجوار؟
[١]- على هذا فإن فاعل «ينفع» هو القول السابق حيث كانوا يأملون أن يكون البعد بينهم و بين الشياطين كما بين المشرق و المغرب، و جملة (إذ ظلمتم) بيان لعلة عدم النفع، و جملة أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ نتيجة هذا الظلم و الجور.