الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٤ - آداب الحضور عند النبي
قطعيّ أيضا ... و هناك دلائل كثيرة في الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة على هذا المعنى و رغم أنّ هذا المعنى لم يثبت على أنّه قانون كلّي في جميع الحسنات و السيئات، إلّا أنّه توجد دلائل نقلية في شأن بعض الحسنات و السيئات المهمّة و لا يوجد دليل عقلي مخالف لها! [١].
و
قد ورد في رواية أنّه حين نزلت الآية آنفة الذكر قال «ثابت بن قيس» خطيب النّبي الذي كان له صوت جهوري عال: أنا الذي رفعت صوتي فوق صوت النّبي فحبطت أعمالي و أنا من أهل النّار ...
فبلغ ذلك سمع النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: «هو من أهل الجنّة» [٢].
لأنّه حين فعل ذلك للمؤمنين أو أمام المخالفين و كان ذلك أداء لوظيفة إسلامية.
كما أنّ ابن العباس بن عبد المطلب نادى بأمر النّبي الذين فرّوا في معركة «حنين» بصوت عال ليعودوا إلى ساحات القتال! و في الآية الأخرى مزيد تأكيد على الثواب الذي أعدّه اللّه لأولئك الذين يمتثلون أمر اللّه و يراعون الآداب عند رسول اللّه فتقول: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ [٣].
كلمة «يغضون» مشتقة من غضّ- على وزن حظّ- و معناها تقليل النظر أو خفات الصوت و يقابل هذه الكلمة الإمعان بالنظر و الجهر بالصوت.
و كلمة «امتحن» مشتقة من الامتحان، و الأصل في استعمالها إذابة الذهب و تطهيره من غير الخالص، كما أنّها تستعمل في بسط الجلد المعدّ للدّبغ، ثمّ
[١]- لمزيد الاطلاع بحثنا مسألة الحبط في ذيل الآية (٢١٧) من سورة البقرة فليراجع.
[٢]- يراجع مجمع البيان، ج ٩، ص ١٣٠، و قد ورد هذا الحديث بتفاوت في بعض الكلمات عند كثير من المفسّرين و لا سيما البخاري في صحيحه و سيد قطب في ظلاله و غيرهما.
[٣]- «اللام» في كلمة «التقوى» في الحقيقة هي لام الغاية و ليست (لام العلّة) أي أنّ اللّه يجعل قلوب أولئك مهيّأة للقبول و التقوى، لأنّ القلب إذا لم يخلص و لم يصف فلا يكون محلا للتقوى حقيقة.