الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - اعتذار المخلفين
و تائقون الى الدعة و الراحة و يفرّون من الحرب و القتال فإنّ ما يحلّلونه إزاء الحوادث لا ينطبق على الواقع أبدا .. و مع هذه الحال فإنّهم يتصوّرون أنّ تحليلهم صائب جدّا.
و بهذا الترتيب فإنّ الخوف و الجبن و طلب الدعة و الفرار من تحمل المسؤوليات يجعل سوء ظنّهم في الأمور واقعيا، فهم يسيئون الظنّ في كلّ شيء حتى بالنسبة الى اللّه و النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم.
و نقرأ
في نهج البلاغة من وصية للإمام علي عليه السّلام إلى مالك الأشتر قوله: «إنّ البخل و الجبن و الحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظنّ باللّه» [١].
حادثة «الحديبيّة» و الآيات محل البحث، كلّ ذلك هو الظهور العيني لهذا المعنى، و يدلّل كيف أنّ مصدر سوء الظنّ هو من الصفات القبيحة حاله حال البخل و الحرص و الجبن!.
و حيث أنّ هذه الأخطاء مصدرها عدم الإيمان فإنّ القرآن يصرّح في الآية التالية قائلا: وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً [٢].
و «السعير» معناه اللهيب.
و في آخر آية من الآيات محل البحث يقول القرآن و من أجل أن يثبت قدرة اللّه على معاقبة الكفار و المنافقين: وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
و ممّا يسترعي النظر أنّ موضوع المغفرة مقدّم هنا على العذاب، كما أنّ في آخر الآية تأكيدا على المغفرة و الرحمة أيضا، و ذلك لأنّ الهدف من هذه التهديدات جميعا هو التربية، و موضوع التربية يوجب أن يكون طريق العودة مفتوحا بوجه
[١]- نهج البلاغة: من رسالة له «برقم ٥٩».
[٢]- أسلوب الجملة و نظمها كان ينبغي أن يكون: فقل: «إنّا اعتدنا لهم سعيرا»: إلّا أنّ القرآن حذف الضمير خاصة و جعل مكانه الاسم الصريح «الكافرين» ليبيّن أنّ علة هذا المصير المشؤوم هو الكفر بعينه ...