الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٣ - أ فلا يتدبّرون القرآن
و واضح أنّ هذا النوع تطبيق و بيان مصداق، و ليس حصرا لمعنى الآية.
و الآية التالية بمثابة توضيح لهذا التهديد المبهم، فتقول: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ [١].
نعم، إنّ هؤلاء الملائكة مأمورون أن يذيقوا هؤلاء العذاب و هم على أعتاب الموت ليذوقوا و بال الكفر و النفاق و العناد، و هم يضربون وجوههم لأنّها اتجهت نحو أعداء اللّه، و يضربون أدبارهم لأنّهم أدبروا عن آيات اللّه و نبيّه.
و هذا المعنى نظير ما ورد في الآية (٥٠) من سورة الأنفال حول الكفار و المنافقين: وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.
و تناولت آخر آية من هذه الآيات بيان علّة هذا العذاب الإلهي و هم على إعتاب الموت، فتقول: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
لأنّ رضى اللّه سبحانه هو شرط قبول الأعمال و كلّ سعي و جهد، و بناء على هذا، فمن الطبيعي أن تحبط أعمال أولئك الذين يصرون على إغضاب اللّه عزّ و جلّ و إسخاطه، و يخالفون ما يرتضيه، و يودعون هذه الدنيا و هم خالو الوفاض، قد أثقلتهم أوزارهم، و أرهقتهم ذنوبهم.
إنّ حال هؤلاء القوم يخالف تماما حال المؤمنين الذين تستقبلهم الملائكة بوجوه ضاحكة عند ما يشرفون على الموت، و تبشّرهم بما أعد اللّه لهم: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢].
و ممّا يلفت النظر أنّ الجملة فعلية في مورد غضب اللّه تعالى: ما أَسْخَطَ اللَّهَ و هي أسمية في مورد رضاه: رِضْوانَهُ، و قال بعض المفسّرين: إنّ هذا التفاوت
[١]- كيف، خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: فكيف حالهم ...
[٢]- النحل، الآية ٣٢.