الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - وصف آخر للجنّة
تقول الآية أوّلا: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [١].
«الآسن» يعني النتن، و بناء على هذا، فإنّ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ تعني الماء الذي لا يتغيّر طعمه و رائحته لطول بقائه و غيره ذلك، و هذا أوّل نهر من أنهار الجنّة، و فيه ماء زلال جار طيب الطعم و الرائحة.
ثمّ تضيف: وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ و ذلك أنّ الجنّة مكان لا يعتريه الفساد، و لا تتغيّر أطعمة الجنّة بمرور الزمن، و إنّما تتغيّر الأطعمة في هذه الحياة الدنيا، لوجود أنواع الميكروبات التي تفسد المواد الغذائية بسرعة.
ثمّ تطرّقت إلى ثالث نهر من أنهار الجنّة، فقالت: وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.
و أخيرا تبيّن الآية رابع أنهار الجنّة بأنّه: وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى.
و علاوة على هذه الأنهار المختلفة التي خلق كلّ منها لغرض، فقد تحدّثت الآية عن فواكه الجنّة في الموهبة الخامسة، فقالت الآية: وَ لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [٢] فستوضع بين أيديهم و تحت تصرفهم كلّ الثمرات و الفواكه المتنوّعة الطعم و الرائحة، سواء التي يمكن تصوّرها، أو التي لا يمكن أن تخطر على أذهاننا اليوم و يصعب تصوّرها.
و أخيرا تتحدث عن الموهبة السادسة التي تختلف عن المواهب المادية السابقة، إذ أنّ هذه الهبة معنوية روحية، فتقول: وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ إذ ستمحو رحمته الواسعة كل هفواتهم و سقطاتهم، و سيمنحهم اللّه الاطمئنان و الهدوء و الرضى، و يجعلهم من المرضيين عنده و المحبّبين إليه، و سيكونون مصداق لقوله
[١]- للمفسّرين بحوث كثيرة حول تركيب هذه الآية الشريفة، و الأنسب منها جميعا أن يقال: (مثل الجنّة) مبتدأ، و خبره محذوف، و التقدير: مثل الجنّة التي وعد المتقون جنّة فيها أنهار، و هذه الآية تشبه- في الحقيقة- الآية (٣٥) من سورة الرعد التي تقول: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
[٢]- للجملة محذوف، و للتقدير: لهم فيها أنواع من كل الثمرات.