الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - لستم بأقوى من قوم عاد أبدا
الأنبياء بالسخرية و الاستهزاء، لم ينفذ نور الحق إلى قلوبهم، و هذا الكبر و الغرور و العداء للحق هو الذي أدى إلى أنّ لا يستفيدوا و لا يستخدموا وسائل الهداية و المعرفة كالعين و الأذن و العقل، ليجدوا طريق النجاة و يسلكوه، فكانت عاقبتهم أن ابتلوا بذلك المصير المشؤوم الذي أشارت إليه الآيات السابقة.
فإذا كان أولئك القوم قد عجزوا عن القيام بأي عمل مع كلّ تلك القدرات و الإمكانيات التي كانوا يمتلكونها، و أصبحت جثثهم الهامدة، كالريشة في مهب الرياح تتقاذفهم من كلّ جانب بكلّ مذلة و احتقار، أولى لكم أن تعتبروا إذا أنتم أضعف منهم و أعجز.
و ليس عسيرا على اللّه تعالى أن يأخذكم بأشد العذاب نتيجة أعمالكم و جرائمكم، و أن يجعل عوامل حياتكم أسباب فنائكم، و هذا خطاب لمشركي مكّة، و لكلّ البشر المغرورين الظالمين العتاة على مر التأريخ، و في كلّ الأعصار و الأمصار.
و حقا فإنّ الأمر كما يقول القرآن الكريم، فلسنا أوّل من وطأ الأرض، فقد كان قبلنا أقوام كثيرون يعيشون فيها، و لديهم الكثير من الإمكانيات و القدرات، فكم هو جميل أن نجعل تأريخ أولئك مرآة لأنفسنا لنعتبر به، و لنرى من خلاله مستقبلنا و مصيرنا.
ثمّ تخاطب الآية مشركي مكّة من أجل التأكيد على هذا المعنى، و لزيادة الموعظة و النصيحة، فتقول: وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى.
أولئك الأقوام الذين لا تبعد أوطانهم كثيرا عنكم، و كان مستقرهم في أطراف جزيرة العرب، فقوم عاد كانوا يعيشون في أرض الأحقاف في جنوب الجزيرة، و قوم ثمود في أرض يقال لها «حجر» في شمالها، و قوم سبأ الذين لاقوا ذلك المصير المؤلم في أرض اليمن، و قوم شعيب في أرض مدين في طريقكم الشام، و كان قوم لوط يعيشون في هذه المنطقة، و ابتلوا بأنواع العذاب لكثرة معاصيهم و كفرهم.