الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥ - قوم عاد و الريح المدمرة
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. [١] هاتين الجملتين تبيّنان بوضوح مدى انحراف هؤلاء القوم و تعصبهم، فهم في الجملة الأولى يقولون: إنّ دعوتك كاذبة: لأنّها تخالف آلهتنا التي تعوّدنا على عبادتها، و هي إرث ورثناه عن آبائنا.
و نراهم في الجملة الثّانية يطلبون وقوع العذاب! ذلك العذاب الذي إن نزل بهم فلا رجعة معه مطلقا، و أي ذي لب يتمنّى نزول مثل هذا العذاب، حتى و إن لم يكن لديه يقين بوقوعه؟
إلّا أنّ هودا عليه السّلام قال في ردّه على هذا الطلب المتهور الذي يدل على الجنون:
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ فهو الذي يعلم متى و في أي ظروف ينزل عذاب الاستئصال، فلا هو مرتبط بطلبكم و تمنيكم، و لا هو تابع لرغبتي، بل يجب أن يتمّ الهدف و يتحقق، ألا و هو إتمام الحجّة عليكم، فإنّ حكمته سبحانه تقتضي ذلك.
ثمّ يضيف: وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ فهو مهمتي الأساسية، و مسئوليتي الرئيسية، أمّا اتخاذ القرار في شأن طاعة اللّه و أوامره فهو أمر يتعلق بكم، و إرادة نزول العذاب و مشيئته تتعلق به سبحانه.
وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ و جهلكم هذا هو أساس تعاستكم و شقائكم، فإنّ الجهل المقترن بالكبر و الغرور و هو الذي يمنعكم من دراسة دعوة رسل اللّه، و لا يأذن لكم في التحقيق فيها ... ذلك الجهل الذي يحملكم على الإصرار على نزول عذاب اللّه ليهلككم، و لو كان لديكم أدنى وعي أو تعقل لكنتم تحتملون- على الأقل- وجود احتمال إيجابي في مقابل كلّ الاحتمالات السلبية، و الذي إذا ما تحقق فسوف لا يبقى لكم أثر.
و أخيرا لم تؤثر نصائح هود عليه السّلام المفيدة، و إرشاداته الأخوية في قساة القلوب أولئك، و بدل أن يقبلوا الحق لجّوا في غيّهم و باطلهم، و تعصبوا له، و حتى نوح عليه السّلام
[١]- «لتأفكنا» من مادة «إفك»، أي الكذب و الانحراف عن الحق.