الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠ - الكلّ جاث في محكمة العدل الإلهي
جملة ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ تكررت مرّة أخرى في الآية (١٦) من سورة الأنعام، غاية ما هناك أنّ الفوز المبين قيل هناك لأولئك الذين ينجون من عذاب اللّه عزّ و جلّ: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أمّا هنا فقد قيلت فيمن دخل الجنّة و في رحمة اللّه، و كلاهما في الواقع فوز عظيم: النجاة من العذاب، و الدخول في مستقر رحمة اللّه سبحانه.
و هنا قد يرد هذا السؤال، و هو: هل أنّ المؤمنين الذين ليس لهم عمل صالح لا يدخلون الجنّة؟
و الجواب: إنّهم يدخلونها لكن بعد أن يروا جزاءهم في جهنم حتى يطهروا، فإنّ الذين يردون مستقر رحمة اللّه هذا بعد الحساب مباشرة هم أصحاب العمل الصالح مضافا إلى إيمانهم، و حسب.
كلمة «الفوز»- كما يقول الراغب في مفرداته- تعني الظفر المقترن بالسلامة، و قد استعملت في (١٩) موردا من آيات القرآن المجيد، فوصف الفوز مرّة بالمبين، و أخرى بالكبير، أمّا في غالب الآيات فقد وصف بالعظيم. و هو مستعمل عادة في شأن الجنّة، إلّا أنّه استعمل في بعض الموارد في شأن التوفيق لطاعة اللّه و مغفرة الذنوب و أمثال ذلك.
و تذكر الآية الآتية مصير من يقع في الطرف المقابل لأولئك السابقين، فتقول:
وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَ كُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ.
و ممّا يلفت النظر أنّ الكلام في هذه الآية عن الكفر فقط، و أمّا أعمال السوء التي هي عامل الدخول في عذاب اللّه و سببه فلم يجر لها ذكر، و ذلك لأنّ الكفر وحده كاف لأنّ يدخل صاحبه العذاب، أو لأنّ التعبير بالمجرمين في ذيل الآية كاف لبيان هذا المعنى.
و النكتة الأخرى هنا أنّه لم يرد كلام عن عقوبات الجحيم، بل الكلام عن التوبيخ الإلهي لهم و تقريعهم، و هو يعتبر أشد العذاب و أكبره، و تهون معه الجحيم