الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٢ - ليسوا سواء محياهم و مماتهم
يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ.
إنّ المؤمنين مطمئنون بمواعيد اللّه سبحانه، و هم يرتعون في رحمته و لطفه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ.
فنور الهداية يضيء قلوب الفريق الأوّل لتشرق بنور ربّها، فيسيرون بخطى ثابتة نحو هدفهم المقدس: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [١].
أمّا الفريق الثّاني، فليس لديهم هدف واضح يطمحون إلى بلوغه، و لا هدى بيّن يسيرون في ظله، بل هم سكارى تتقاذفهم أمواج الحيرة في بحر الضلالة و الكفر:
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ.
هذا في الحياة الدنيا، أما عند الموت الذي هو نافذة تطل على عالم البقاء، و باب للآخرة، فإنّ الحال كما تصوره الآية (٣٢) من سورة النحل حيث تقول:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
أمّا المجرمون الكافرون، فإنّ الآيتين (٢٨)- (٢٩) من سورة النحل تتحدثان معهم بأسلوب آخر، فتقولان: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.
و خلاصة القول، فإنّ التفاوت و الاختلاف موجود بين هاتين الفئتين في كافة شؤون الحياة و الموت، و في عالم البرزخ و القيامة [٢].
[١]- البقرة، الآية ٢٥٧.
[٢]- ثمّة احتمالات أخرى في تفسير الآية المذكورة و من جملتها ما ذكر من أنّ المراد من جملة (سواء محياهم و مماتهم) أنّ موت المجرمين الكافرين و حياتهم واحد لا فرق فيه، فلا خير فيهم و لا طاعة لهم حال حياتهم، و لا في موتهم، فهم أحياء لكنّهم أموات، و على هذا التّفسير فإنّ كلا الضميرين يعودان على المجرمين.
و الاحتمال الآخر: أنّ المراد من الحياة يوم القيامة، أي أنّ المؤمنين و الكافرين لا يتساوون عند الموت و عند بعثهم يوم القيامة.