الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - آيات اللّه في كلّ مكان
المراتع الطبيعية و الغابات، و يهيج الأمواج المتلاطمة في قلوب المحيطات، و يبعث الحركة و الحياة في البحار و يثير أمواجها العظيمة، و يحفظ الماء من التعفن و الفساد، و هذه الرياح نفسها هي التي تحرك السفن على وجه المحيطات و البحار و تجريها [١].
و الطريف أنّ هذه الآيات تتحدث أوّلا عن آيات السماء و الأرض و تقول في نهاية الآية الأولى: إنّها آيات «للمؤمنين»، ثمّ تتناول الحديث في خلق الكائنات الحية فتقول في نهاية الآية الثانية: إنّها آيات «للموقنين»، و بعد ذلك تتكلم في أنظمة النور و الظلمة، و الرياح و الأمطار، ثمّ تقول: إنّها آيات للذين «يعقلون».
إنّ هذا التفاوت في التعبير لعله بسبب أنّ الإنسان يطوي ثلاث مراحل في سيره إلى معرفة اللّه سبحانه ليصل إلى هدفه، فالأولى مرحلة «التفكر»، و الثانية مرحلة «اليقين» و العلم، و بعدها مرحلة «الإيمان» أو ما يسمى بعقد القلب، و لما كان الإيمان أشرف هذه المراحل، ثمّ يأتي بعده اليقين، و في المرحلة الثالثة يأتي التفكير، فقد وردت هذه المراحل حسب هذا الترتيب في الآيات المذكورة، و إن كانت المراحل من ناحية الوجود الخارجي تبدأ بمرحلة التفكر، ثمّ اليقين، ثمّ الإيمان.
و بتعبير آخر فإنّ أهل الإيمان يرتقون إلى هذه المرحلة من خلال مشاهدة آيات اللّه سبحانه، أمّا الذين ليسوا منهم فليصلوا إلى مرحلة اليقين أو إلى مرحلة التفكر على أقل التقادير.
و قد ذكر المفسّرون في هذا الباب وجوها أخرى أيضا، و ما قلناه هو الأنسب.
و تقول الآية الأخيرة، إجمالا للبحوث الماضية، و تبيانا لعظمة آيات القرآن و أهميتها: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ.
هل أنّ كلمة «تلك» إشارة إلى آيات القرآن، أم إلى آيات اللّه و العلامات الدالة
[١]- لقد وردت بحوث مفصلة حول آثار الرياح و الأمطار في ذيل الآيات ٤٦- ٥٠ من سورة الروم.