الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - نزول القرآن الدفعي و التدريجي
و هذا البيان ينسجم مع الرّوايات الكثيرة التي تقول: إنّ مقدرات كل بني آدم لمدّة سنة تقدر في ليلة القدر، و كذلك تفرق الأرزاق و الآجال و الأمور الأخرى في تلك الليلة.
و سيأتي تفصيل الكلام في هذا البحث و المسائل الأخرى التي ترتبط بليلة القدر، و عدم التناقض بين هذا التقدير، و بين حرية البشر، في تفسير سورة القدر، إن شاء اللّه تعالى.
و تقول الآية الأخرى لتأكيد أنّ القرآن منزل من قبل اللّه تعالى: أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. [١] و لأجل تبيان العلة الأساسية لنزول القرآن و إرسال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و كون المقدرات في ليلة القدر، تضيف الآية: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. [٢] نعم، فإن رحمته التي لا تحدّ توجب أن لا يترك العباد و شأنهم، بل يجب أن ترسل إليهم التعليمات اللازمة لترشدهم في سيرهم إلى اللّه عبر ذلك المسير التكاملي المليء بالالتواءات و التعرجات، فإن كل عالم الوجود يصدر عن رحمته الواسعة و ينبع منها، و البشر أكثر تنعما بهذه الرحمة من كل الموجودات.
و تذكر نهاية هذه الآية- و الآيات التالية- سبع صفات للّه سبحانه، و كلها تبين توحيده و وحدانيته، فتقول: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فهو يسمع طلبات العباد، و هو عليم بأسرار قلوبهم.
ثمّ تقول، مبينة للصفة الثالثة رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
[١]- هناك احتمالات مختلفة في محل جملة (أمرا من عندنا ..) من الإعراب، و إلى أي من بحوث الآيات السابقة تنظر؟
و أنسب هذه الاحتمالات أن تكون جملة (أمرا من عندنا) حالا لضمير مفعول (إنا أنزلناه)، أي: إنا أرسلنا القرآن، و كان ذلك أمرا من عندنا. و هذا الاحتمال ينسجم في هذه الصورة تماما من جملة (إنا كنا مرسلين) و التي تتحدث عن إرسال النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
و يحتمل أيضا أن يكون توضيحا ب (كل أمر حكيم) و نصبها على الاختصاص، فيكون المعنى: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا.
[٢]- (رحمة من ربك) مفعول لأجله ب (إنا أنزلناه)، أو ل (يفرق كل أمر حكيم)، أو لكليهما.