مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٨٢ - ٧ كتابُه
داعِياً إلى غَيِّهم، سالِكاً سَبيلَهُم، يُدخُلُونَ بِكَ الشَّكَّ عَلى العُلماءِ، وَيقْتادونَ بِكَ قُلوبَ الجُهَّالَ إلَيهِم، فَلَم يَبلُغ أخَصُّ وُزرائِهِم، وَلا أقوى أَعوانِهِم إلَّادُونَ ما بَلَغتَ مِن إصلاحِ فَسادِهِم واختِلافِ الخاصَّةِ والعامَّةِ إِلَيهِم، فَما أقلَّ ما أَعطَوكَ في قَدرِ ما أخَذوا مِنكَ، وما أيسَرَ ما عَمَروا لَكَ، فَكَيفَ ما خَرَّبوا عَلَيكَ. فانظُر لِنَفسِكَ فإنَّهُ لا يَنظرُ لَها غَيرُكَ، وحاسِبها حِسابَ رَجُلٍ مَسؤولٍ.
في التّزهيد بالدُّنيا:
وانظُر كَيفَ شُكرُكَ لِمَن غَذَّاك بِنِعَمِهِ صغيراً وكبيراً، فَما أخوَفَني أنْ تَكونَ كما قالَ اللَّهُ في كتابهِ: «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأْدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا» [١]، إنَّكَ لَستَ في دارِ مُقامٍ، أنتَ في دارٍ قَد آذنت بِرَحيلٍ، فما بقاءُ المَرءِ بَعدَ قُرَنائِهِ. طوبى لِمَن كانَ في الدُّنيا عَلى وَجَلٍ، يا بُؤسَ لِمَن يَموتُ وتَبقى ذُنوبُهُ مِن بَعدِهِ.
احذَر فَقَد نُبِّئتَ، وبادِر فَقَد اجِّلتَ، إنَّكَ تُعامِلُ مَن لا يَجهَلُ، وإنَّ الَّذي يَحفَظُ عَلَيكَ لا يَغفَلُ، تَجَهَّز فَقَد دَنا مِنكَ سَفَرٌ بَعيدٌ، وَداوِ ذَنبَكَ فَقَد دَخَلَهُ سُقْمٌ شَديدٌ.
وَلا تَحسَب أنِّي أرَدتُ توبِيخَكَ وَتعنِيفَكَ [٢] وَتعييرَكَ، لَكِنِّي أرَدتُ أن يُنعِشَ اللَّهُ ما قد فاتَ مِنَ رَأيِكَ، ويرُدَّ إلَيكَ ما عَزَبَ [٣] من دِينِكِ، وذَكَرْتُ قَولَ اللَّهِ تَعالى في كتابهِ: «وَ ذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» [٤].
أغفَلْتَ ذِكرَ مَن مَضَى من أسنانِكَ وَأقرانِكَ، وَبقيتَ بَعدَهُم كَقرنٍ أعْضَبَ [٥]
____________
[١]. الأعراف: ١٦٩.
[٢]. عنّفه: لامه وعتب عليه ولم يرفق به، وينعش اللَّه ما فات أي يجبر ويتدارك.
[٣]. عزب: بَعُدَ.
[٤]. الذاريات: ٥٥.
[٥]. العضباء: الشّاة المكسورة القرن.