مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٣٣ - ٢ كتابُه
المُنْقَلَبِ، إنَّ اللَّهَ عز و جل يَقِي بالتَّقوَى عَنِ العَبدِ ما عَزَبَ عَنهُ عَقْلُهُ، وَيُجْلِي بالتَّقوى عَنهُ عمَاهُ وجَهْلَهُ، وبالتَّقْوى نجَا نُوحٌ ومَن مَعَهُ في السَّفينَةِ، وصالِحٌ ومَن مَعَهُ من الصَّاعِقَةِ، وبالتَّقوى فَازَ الصَّابِرونَ، ونجَتْ تِلكَ العُصَبُ مِنَ المَهالِكِ، وَلَهُم إخوانٌ على تِلكَ الطَّريقَةِ يَلتَمسونَ تِلكَ الفَضيلَةِ، نبَذُوا طُغيانَهُمْ مِنَ الإيرادِ بالشَّهوَاتِ لِمَا بَلَغهُم في الكتابِ مِنَ المَثُلاتِ، حَمِدوا رَبَّهُم عَلى ما رَزَقَهُم، وَهُو أهلُ الحَمدِ وذَمُّوا أنفُسَهُم على ما فرَّطُوا، وهُم أهلُ الذَّمِّ.
وعلِمُوا أنَّ اللَّهَ- تبارَكَ وَتَعالى- الحَلِيمُ العَلِيمُ، إنَّما غَضَبُهُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رِضاهُ، وإنَّما يَمْنَع مَنْ لَمْ يَقْبَل مِنهُ عَطاهُ، وإنَّما يُضِلُّ مَنْ لَمْ يَقْبَل مِنهُ هُدَاهُ، ثُمَّ أمْكَنَ أهلَ السَّيِّئاتِ مِنَ التَّوبَةِ بِتَبديلِ الحَسَناتِ، دَعا عِبادَهُ في الكِتابِ إلى ذلِكَ بصَوْت رفِيعٍ لَمْ يَنقَطِعْ، وَلَمْ يَمْنَعْ دُعاءَ عِبادِهِ، فلَعَنَ اللَّهُ الَّذينَ يكْتُمونَ ما أنزَلَ اللَّهُ، وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، فسَبَقَتْ قَبلَ الغَضَبِ فَتَمَّتْ صِدْقاً وَعَدْلًا، فَلَيسَ يَبْتَدِئُ العِبادَ بالغَضَبِ قَبلَ أنْ يُغْضِبوهُ، وذلِكَ مِن عِلْمِ اليَقينِ وعِلْمِ التَّقوَى.
في آثار نبذ الكتاب
وَكُلُّ أمَّة قَد رَفَعَ اللَّهُ عَنهُم عِلمَ الكِتابِ حِينَ نَبَذُوهُ، ووَلّاهُمْ عَدُوَّهُم حِينَ تَوَلَّوهُ، وَكانَ مِن نَبْذِهِمُ الكِتابَ أنْ أقاموا حُرُوفَهُ، وَحَرَّفوا حُدودَهُ، فَهُم يَرْوونَه وَلا يَرْعَوْنَهُ، والجُهَّالُ يُعْجِبهم حِفْظُهم للرِّوايَةِ، والعُلماءُ يَحْزُنُهم تَرْكُهم للرِّعايَةِ، وكانَ مِن نَبْذِهِمُ الكِتابَ أنْ وَلَّوْهُ الَّذينَ لا يَعلَمونَ، فأوْرَدُوهُم الهَوَى، وأصْدَرُوهُم إلى الرَّدَى، وغيَّروا عُرَى الدِّين، ثُمَّ ورَّثُوه في السَّفَهِ والصِّبا، فالامَّةُ يَصْدُرونَ عَنْ أمْرِ النَّاسِ بَعْدَ أمرِ اللَّهِ تبارَكَ وتَعالى وَعَلَيهِ يَرِدونَ.
في حال من اعتمد على الناس بدل اللَّه
فَبِئْسَ للظَّالِمينَ بَدَلًا وَلايَةُ النَّاسِ بَعدَ وَلايَةِ اللَّهِ، وَثَوابُ النَّاسِ بَعدَ ثَوابِ اللَّهِ، وَرِضا النَّاسِ بَعْدَ رِضا اللَّهِ، فَأصبَحَتِ الامَّةُ كَذلِكَ، وَفِيهِمُ المُجتَهِدونَ في العِبادَةِ