ينابيع المودة لذو القربى - القندوزي، سليمان بن ابراهيم - الصفحة ٤٥٢ - الباب الحادي و الخمسون في بيان علوّ همة علي عليه السّلام و زهده في الدنيا
و حسبك انّه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة عشر ممّا دوّن له، و كفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في مدحه في كتاب «البيان و التبيين» ، و في غيره من كتبه.
و أمّا سماحة الأخلاق، و بشرى الوجه و طلاقته، و التبسم، فهو المضروب به المثل.
قال صعصعة بن صوحان و غيره من شيعته و أصحابه: كان فينا كأحدنا، لين جانب، و شدّة تواضع، و كنّا نهاب منه مهابة الأسير من السياف الواقف [١] على رأسه [٢] .
و أمّا الزهد في الدنيا، فهو سيد الزهاد، ما شبع من طعام قط، و كان أخشن الناس مأكلا و ملبسا.
قال عبد اللّه بن أبي رافع: دخلت إليه يوم العيد فقدّم جرابا مختوما فيه خبز شعير يابس مرضوض فأكل.
فقلت: فكيف تختمه؟
قال: خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت.
و كان ثوبه مرقوعا بجلد تارة، و بليف أخرى، و كان نعلاه من ليف، و يلبس الكرباس [٣] الغليظ، فاذا وجد كمّه طويلا قطعه. و أدامه خل أو ملح، فان ترقّى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فان ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل، و لا يأكل اللحم إلاّ قليلا، و يقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان.
و هو الذي طلّق الدنيا و كانت الأموال تجيء إليه من جميع بلاد الاسلام إلاّ من
[١] في (أ) : «الواقع» .
[٢] شرح النهج ١/٢٥.
[٣] الكرباس-بالكسر-: ثوب من القطن الأبيض (معرب) .